خالد بطرواي يكتب لـوطن: ودان الحيطان

12.03.2018 07:25 AM

لا زلت أذكر ذلك اليوم في مدينة موسكو ثمانينات القرن المنصرم عندما التقينا سيدات قادمات من الأردن وكنا نتحدث أمامهن بالسياسة عندما قالت احداهن " ششششش .. الحيطان الها ودان" .. قلنا لها وقتها " لماذا أيتها العمة" قالت " لا تفكروا أنكم بتحكوا بالوساع .. كله بيوصل ولما ترجعوا على بلادكم .. رأح يسألوكم ليش حكيتوا هيك وهيك، وكان ما كان وقتها.

ذكرت لرفيقيّ أحمد وسميح قبل أيام مقولة " الحيطان الها ودان" ونحن نتحدث عما آلت اليه أحوالنا، فضحك سميح وقال " ما ضل حيطان يا خالد من كثر الودان .. صار بدنا نفتش على ما تبقى من الحيطان".

فكرت مليا بما ذهب اليه رفيقي سميح، فعلا تخزقت الحيطان التي نستند عليها والتي تقينا حر الصيف وبرد الشتاء بكثرة "الودان" وتخردقت تماما كما لو تم توجيه عدّة قذائف الى تلك الجدران اخترقتها كل قذيفة ملاصقة للقذيفة الأخرى حيت أن ما تبقى ما هو الا بقايا حيطان ليس أكثر.

في عالمنا العربي وبضمنه الفلسطيني ... تسير في هذا الشارع وذاك وتتلفت حواليك، هذا مندوب وذاك مخبر لهذا الجهاز أو ذاك ...إن تجمع عدد من المواطنين لاحياء ذكرى ما أو لرفع يافطة تطالب بتخفيض أسعار الخبز .. تختطفها عشرات الأيادي وتخفضها اذ لم تمزقها إربا إربا (عجبتني إربا هاي) وعندما تتسابق الأيادي على تمزيق اليافطة تكتشف أن كل يد تعود لأحد الأجهزة الأمنية في عالمنا العربي وما أكثرها ليقدم بدوره تقريره متفاخرا بتمزيق اليافطة كي يحظى بنيشان يعلقه على صدره.

تكتشف أن الطالب الجالس على مقاعد الدراسة الجامعية قربك والذي يتودد اليك هو مندوب، وأن زميلتك في العمل مخبرة، في المقهى الشعبي حيث تجلس لتحتسي كأس شاي بالنعناع ، تنظر الى ورقة النعناع في "كاسة الشاي" تجدها ممزقة على شكل "أذن" ، في سوق الخضار (الحسبة) تنظر اليك حبة البندورة نظرة توجس وتقول لك إياك أن تضعني في الكيس فأنا لست للأكل أنا هنا لمراقبة عباد الله الذين يمشون على الأرض هونا، وان مشيت في شوارع المدينة ترصدك الكاميرات فان عطست ترد احداها بالقول " يرحمكم الله" واياك أن تفكر حتى بتجاهل الاجابة بل عليك أن تقول فورا " أثابنا وأثابكم الله" والا تلقيت صفعة على قفاك من مخبر يأمرك بالقول " رد ولا". وينطبق ذات الأمر على المراسلات الالكترونية لدرجة أنك قد تجد نفسك خلف القضبان بحجة "تهديد السلم الأهلي" أو " القدح والذم والتشهير" فلا تفكر ذات يوم بالتذمر أيها الحبيب من ارتفاع الفواتير وارتفاع سعر الهواء الذي تتنفسه والذي سيأتيك يوما ما معباءا في أنابيب من مختلف الأحجام ومختلف النوعيات وبالتالي مختلف الأسعار. وأن أجريت اتصالا تريد أن تستفسر عن نتائج انتخابات أو حتى تطمئن على أحد أفراد عائلتك يعتبروها شيفرة و "عينك ما تشوف الا النور".

إن اخترقت طائرة معادية الأجواء الجوية لهذا البلد أو ذاك، إن وقفت هذه الطائرة في سماء بلدك لتقصف بلد من بلاد الضاد يقولون لك ما غناه مارسيل خليفة " هاي طيارة كبيرة وما الها خيطان وجوانحها أكبر من بيت الجيران" و " الحمد لله ما ضربت بلدنا" تمر القذيفة من فوق رأسك وبلدك ... يلوح لها المخبرون والمندوبون وزبانية النظام ويسرعون لتقديم التقارير فيقول لهم زعماء البلد " اخرسوا .. راقبوا ردود فعل الشعب".

يستعرضون عضلاتهم علينا ... يبرحوننا ضربا وتعذيبا وتنكيلا .. يخلفون لدينا اعاقات .. يحفرون في دواخلنا الأمراض النفسية تحت مسمى " الأمن والآمان" و " الرخاء والاسترخاء" .. يعيدوننا الى خمسينات القرن المنصرم ولكن بتقنيات وتنكولوجيا جديدة، يمزقون أوطاننا ونحن نهتف " بلاد العرب أوطاني من الشام لبغدان".

وفي بلادي تستمر حالة الفرقة، ويتغطرس رأس المال الخدماتي وليس الانتاجي وتتحدد ملامح الكيان الوطني بوصفه مرتعا للرأسمالية والكمبرادور ولرأسمالية الدولة الاحتكارية المسيطرة على السلع الرئيسية ساحقة الطبقة الوسطى والعمال والفلاحين، ليتحول مجتمعنا الى سوق استهلاكي كبير تسنده القوانين والتشريعات التي تكرس ثقافة التبعية والاستهلاك والمديونية للبنوك لنفكر في قوتنا اليومي وننسى لب قضيتنا وصراعنا الأساسي مع الاحتلال التوسعي الاستعماري.

نجنح أكثر فأكثر نحو العسكرتاريا حيث يتوسع نطاق العسكر والمخابرات في مجتمعاتنا تحت ذريعة " الأخطار التي تحيق بالأمن القومي" ويزداد عدد أفراد "العسكر والأمن" مع ما يرافق ذلك من ارتفاع في الميزانيات المخصصة، ولنرصد جميعا عدد المرات التي قمعت فيها هذه الأجهزة شعوبها في مقابل عدد المرات التي تصدت فيها "للعدو" الذي لم يصبح " عدوا" بعد الان.

نزداد في تبعيتنا للنظام العالمي الرأسمالي، يزداد الفرز الطبقي وبحدّة، تزداد العصبيات القبلية والطائفية والعرقية والفصائلية، تتغول سلطة الدولة على المجتمع مع ما يترافق معها من فساد وبيروقراطية وروتين واختراق سافر لأساسيات المجتمع المدني وتعدي السلطة التنفيذية على السلطتين التشريعية والقضائية وينعدم مبدأ استقلال القضاء ويجري تشييع جنازة سيادة القانون الى مقبرة الاحلام الوردية ومع ذلك كله تتقلب المجتمعات ولا تستقر على توجه ورؤيا محددة وتتزعزع الهوية الوطنية والقومية وألاممية والطبقية وتتضاءل معادلات التوازن بين الوطني والقومي والطبقي والقومي والوطني والأممي. يسير المجتمع نحو الفردية ويتضاءل العمل الجماعي والطوعي وتزداد الولاءات.

لذلك كله، عندما طلب رفيقي أحمد ورفيقي سميح أن نبحث امكانية بناء شقق سكنية لأولادهما أشرت عليهما بالعدول عن ذلك اذا لا نريد مزيدا من الحيطان .. كي تخترقها اذن كل مخبر نراه ليس فقط في واقعنا بل في أحلامنا فننهض فزعين مذعورين.

التعليـــقات

جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء
تصميم وتطوير