الاعلام الجديد بين الواقع والمثاليات... قضايا المجتمع المحلي نموذجا

14.06.2018 05:39 PM

رام الله-وطن- فيصل الرفاعي: مع تطور وسائل التواصل الاجتماعي وحلولها في مكانة متقدمة، طغت على وسائل الإعلام التقليدية، أصبح بمقدور كل مواطن أن يصبح رقيبا على أداء المجالس البلدية، فقد بات من الواضح أن لكل مواطن منصة خاصة به تمكنه من التأثير  في قرارات المسؤولين.

نناقش في هذا التقرير إلى أي مدى يمكن لوسائل التواصل الاجتماعي الوصول في تغيير سياسات المجالس البلدية و فرض واقع المساءلة الاجتماعية بشكل اكثر واقعية وقريب للعدالة.

مشاريع ضمن أولويات خاصة

بتاريخ 19/10/2017 صرح لي رئيس بلدية عناتا وبعد سؤال وجهته له حول مشاريع البلدية القادمة قائلا "البلدية حصلت على مبلغ بقيمة مئتي الف يورو لتنفيذ مشاريع داخلية"، مضيفا "أن المبلغ سيخصص لتنفيذ شارعين أحدهما يسمى شارع بير رصاص"، سألته حينها "ما هي آليات اختيار الشوارع، خاصة وأن الشارع المذكور هو شارع خاص يخدم أحد اعضاء البلدية بشكل مباشر؟"
لم يجب رئيس البلدية على السؤال وقمنا بإرسال الخبر لصفحات الاخبار المحلية على الفيسبوك، والتي قامت بنشر الخبر على صفحاتها مرفقة إياه بسؤال للمواطنين حول ما اذا كانوا بحاجة لإصلاح او انشاء شوارع جديدة في احيائهم.

وعلى الرغم من كونها تجربة جديدة، إذ يتم ولأول مرة إطلاع المواطنين على مشاريع من هذا النوع وطرح الامر للنقاش العام، إلا أن الخبر اثار غضب البلدية واعضاءها، ما دفع بعض اعضاءها للتهجم لفظيا واتهامنا بالفتنة، ونفى بشكل ضمني وجود مشروع زفتة قادم من خلال تعليقاته على الفيسبوك!

تعليق احد اعضاء البلدية على طرح الصفحات المحلية لقضية الشوارع الداخلية للمواطنين!

على إثر النقاشات على صفحات الفيسبوك،  قمنا بارسال كتاب "استيضاح" لبلدية عناتا بشكل رسمي، طلبنا فيه توضيح الآلية التي يتم بناء عليها اختيار الشوارع،  لنتفاجئ ومن خلال مصادر خاصة أن البلدية في اجتماعها بتاريخ 25/10/2017 قررت تجاهل الكتاب ووضعه في الدرج!

أصررنا وبدافع الموضوعية والحيادية على الوصول لرئيس البلدية والحصول منه على اجابة رسمية مكتوبة، إلا أنه قام برفض مقابلتنا، واخبر "السكرتيرة" أن تبلغنا شفهيا بأننا "سنحصل على الجواب في الوقت المناسب والمكان المناسب ايضا".

تواصلنا مع اعضاء في البلدية ونفوا بدورهم الخبر وأكدوا أن ما وردنا غير صحيح ونفوا ان يكون قد تم مناقشة مشاريع شوارع داخلية، دون ان يعلموا ان مصدر الخبر في حينه رئيس البلدية-.

ولاحقا وبعد ايام قليلة وبتاريخ 30/10/2017 قامت البلدية بتأكيد الخبر بشكل رسمي عبر صفحتها على الفيسبوك، مؤكدة حصولها على مبلغ 198 الف يورو من خلال صندوق اقراض البلديات، مرفقة الخبر عبر صفحتها بنسخة عن كتاب وارد لها من صندوق الاقراض.

منشور على صفحة البلدية جاء بعد ضغط الرأي العام في مشروع الشوارع الداخلية

وعلى الرغم من محاولات اخفاء المعلومات إلا أن وسائل التواصل الاجتماعي ساهمت في النهاية بشكل كبير في كشف الأمر وحقيقته للمواطنين؛ حيث تحولت القضية لقضية رأي عام، واصبحت حديث الشارع.

واطلعنا جمهور المواطنين على التفاصيل من خلال صفحات الفيسبوك، مما دفع البلدية في نهاية الأمر للاستجابة لضغوطات المواطنين وعقد اجتماع عام للمواطنين للكشف عن آلية اختيار الشوارع، وتم تغيير الشوارع التي اختيرت وفق مصلحة احد اعضاء البلدية.

الاعلام الجديد بين الواقع والمثاليات

أصبحت شبكات التواصل الاجتماعي من اهم الاماكن التي يتم مناقشة قضايا المجتمع المحلي من خلالها، ولذلك فهي تستحق أن تكون مكانا لتشكيل حلقة وصل بين الحكم المحلي والمواطن.

خلال ناقشنا للدكتور سعيد ابو معلا المحاضر في الإعلام الجديد في الجامعة العربية الامريكية حول تأثير الاعلام الاجتماعي الجديد في قضايا الحكم المحلي، أكد لنا أن الدور الأساسي لوسائل التواصل الاجتماعي هو خدمة المواطنين، من خلال ما تتيحه من مساحة حرة للتعبير عن آرائهم ولذا فهي "فرصة لإجراء حوار ومكان نابض بنبض الناس وشكواهم" وهو الأمر المطلوب اساسا للحكم المحلي السليم "فلا حكم محلي سليم من دون التواصل مع الناس وتحسس معاناتهم ومعالجتها" وفق تعبيره.

وعلى الرغم من كون هذا الطرح قد ينظر له البعض على انه واقع "مثالي" إلا أنه يستحق النظر فيه لكي يصبح واقعا حقيقيا معاشا، تكون وسائل التواصل الاجتماعي فيه حلقة وصل بنّاءة بين المواطن والحكم المحلي.

إشكاليات في العلاقة بين الحكم المحلي والمواطن

كان واضحا في قضية مشروع الشوارع الداخلية في بلدية عناتا وجود استياء داخل البلدية من طرح قضايا المجتمع المحلي امام الرأي العام وبهذا الشكل.

وهو استياء يتأتى من نظرة "فوقية ودونية" تجاه المواطن حيث "لا يتم التعامل معهم على أنهم شركاء ومواطنون يستحقون الخدمة الجيدة وأخذ ما يقولونه على محمل الجد" على حد تعبير الدكتور ابو معلا.

الشعور بالهرب من المسؤولية وعدم الرغبة بالاعتراف بالتقصير تجاه قضايا المواطنين، هو ما يدفع لخلق هذه النظرة او العلاقة السلبية بين المواطن والحكم المحلي، حيث يدفع هذا التقصير المواطن الى الكتابة "عن قضايا الحكم المحلي في بلدته او قريته وينتقد او يكشف سوء ادارة"، يضيف الدكتور ابو معلا "الحكم المحلي لا يتحلى بصدر رحب ولا يتعاطى مع ما يثار على هذه الشبكات على محمل الجد، بل يرى أنها اصبحت مصدر ازعاج له" وهو ما يدفع الحكم المحلي للهروب من خلال سلب المواطن حقه في محاسبة المسؤولين.

تجاهل ام تعامل مع الواقع الجديد؟

يرى الدكتور سعيد ابو معلا ومن خلال حديثه لنا بأنه بات من المطلوب تغيير نظرة الحكم المحلي تجاه المواطنين، واستبدالها بنظرة جديدة، وفق رؤية "أننا ومن خلال ملاحظات ونقد المواطنين يمكن أن نحسن من الخدمات التي نقدمها لهم".

وهو ما يشبه دعوة مفتوحة للحكم المحلي والفاعلين في قضايا المجتمع المحلي للبدأ بالعمل على وثيقة شرف تحدد طبيعة العلاقة بين المواطن والمجالس المحلية علّ وعسى أن يتم القضاء على الفجوة الآخذة بالاتساع في العلاقة بين مؤسسات الحكم المحلي والمواطنين من خلال وسائل الاعلام الجديد.

التعليـــقات

جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء
تصميم وتطوير