مقاومة سلمية في وجه احتلال عنيف.. مارتن لوثر الفلسطيني إما أسيراً أو شهيداً

29.06.2018 01:33 PM

ترجمة خاصة- وطن: تقول غادة عقيل انها ولدت ونشأت في مخيم خانيونس للاجئين في قطاع غزة،الى ان غادرت القطاع في العام 2006،لمتابعة دراسة الدكتوراه في "دراسات اللاجئين". وفي ذلك العام، قامت بجولة لمدة (3) أسابيع في الولايات المتحدة، تحدثت خلالها الى جمهور متنوع، حول الوضع في فلسطين المحتلة ،وقدمت خلال ذلك وصفا للواقع اليومي لحياة الفلسطينيين تحت الاحتلال العسكري الإسرائيلي.

وتضيف، "بعد معظم العروض والنقاشات التي قمت بها هناك، كنت اواجه مجموعة من الأسئلة المتكررة،حيث سُئلت: أين المقاومة السلمية الفلسطينية؟ لماذا لا يوجد "مهاتما غاندي" فلسطيني؟ ولماذا لا يوجد "مارتن لوثر كنج" فلسطيني؟

وتردف عقيل، لقد حيرتني هذه الأسئلة كثيرا، لأن النضال السلمي موجود في التاريخ الفلسطيني، وعميق الجذور. وقد انتشر على نطاق واسع في سنوات الثلاثينات من القرن العشرين، أثناء الاستعمار البريطاني لفلسطين. حيث تضمن ذلك النضال اضرابا عاما شهيرا، هو الأطول في التاريخ الحديث، إضافة الى حركات المقاطعة، وكلاهما تم قمعه بوحشية من قبل الاستعمار البريطاني. تم قتل العديد من قادة الإضراب،وسجن بعضهم، ومن تم نفيهم عن وطنهم في نهاية المطاف.

مقاومة سلمية ضد احتلال عنيف
كانت المقاومة السلمية "اللاعنيفة" الركيزة الأساسية للنضال الفلسطيني منذ احتلال فلسطين وإقامة جولة الاحتلال الإسرائيلي، بعد نكسة العام1967.أدى ذلك الى استعمار إسرائيل للمزيد من الأراضي الفلسطينية وبشكل متزايد. ومنذ الانتفاضة الفلسطينية الأولى، في العام 1987، اعتاد الفلسطينيون على إيجاد منافذ إبداعية، غير عنيفة، لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي العنيف.

وكانت احدى الطرق الرئيسية للمقاومة تطوير مؤسسات وقيادات متجددة. وردا على ذلك، ولإحباط جهود التجديد الفلسطيني، عكفت قوات الاحتلال على ابعاد المئات من الفلسطينيين، بما في ذلك رؤساء بلديات، وأساتذة جامعات، وقادة منظمات نسائية ونقابية.

وقد وثقت المحامية ليزا حجار، انه تم اعتقال أكثر من نصف مليون فلسطيني، من سكان الأراضي المحتلة، خلال الفترة من عام 1967 إلى عام 1987 (علما ان إجمالي عدد الفلسطينيين هناك، خلال تلك الفترة، كان حوالي 1.5 مليون، أي انه تم بالفعل اعتقال ثلث السكان).كما وثقت حجار الابعاد القسري لأكثر من (2000) فلسطيني، وهدم أكثر من (1560)منزلا فلسطينيا، فضلا عن التقييد المحكم لكل أشكال الحرية التعليمية، والثقافية، والفنية، والرياضية للفلسطينيين.

غير ان المقاومة السلمية الفلسطينية استمرت، واتخذت أشكالا مختلفة، الى ان وصل الامر إلى اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى، في العام1987.وهناك، انخرط الآلاف من الفلسطينيين في حركة عصيان مدني جماعي، ومقاومة سلمية ،امتدت الى جميع أنحاء فلسطين، بدعم ومؤازرة متواصلة من قبل اللجان الشعبية المحلية.

وفي الانتفاضة الثانية، أوائل العام 2000، تكررت العديد من أعمال المقاومة السلمية، بما في ذلك المظاهرات الأسبوعية، التي اعتادت ان تشهدها العديد من البلدات في الضفة الغربية،مثل بلعين، ونعلين، وبدرس،وجيوس، على سبيل المثال لا الحصر. وكان من الواضح ان قرى عديدة قررت احتضان اللاعنف كاستراتيجية وحيدة لمقاومة الاحتلال.

وبمرور السنوات، أصبحت بلدة بلعين معروفة جيداً بإدخال تكتيكات خلاقة من المقاومة السلمية، حيرت جيش الاحتلال في كيفية التعامل معها. فعلى سبيل المثال، قام المتظاهرون بتقييد أنفسهم بأشجار الزيتون التي قرر الاحتلال اقتلاعها لإفساح الطريق امام مسار الجدار العازل. كما قاموا بحبس أنفسهم في أقفاص، على شكل سجون، موضوعة على أراضيهم التي ينوي الاحتلال مصادرتها، مما دفع ذلك الجيش إلى حملهم وإبعادهم باستعمال الرافعات. كما استخدموا التمثيل والغناء والفكاهة، وربطوا أنفسهم بالسلاسل الفولاذية على الأرض، في تعبيرات ابتكارية أخرى عن مقاومتهم السلمية للاحتلال.

تبدل الطغاة
تستمر منذ أكثر من قرن من الزمن الممارسة الفلسطينية للنضال السلمي في وجه الظالمين والطغاة الذين يحتلون فلسطين. وتستمر حتى اليوم المقاومة السلمية، على الرغم من ردود الفعل الوحشية التي لا تتوقف من قبل إسرائيل. غير ان ذاكرة العالم تبدو قصيرة، وتتنكر لهذه المعاناة طيلة الوقت.

كانت إجابتي في العام 2006 على الاسئلة حول "المهاتما غاندي"بسيطة، وتستند على مشاهداتي الحية من مخيمات اللاجئين في غزة. فقد اجبت بأن الآلاف منهم قتلوا بالرصاص الإسرائيلي، كما تم عزل وحصار عشرات الآلاف،بالإضافة الى سجن مئات الآلاف.

واليوم، بعد (12) عاما من تلك الجولة، يقدم الفلسطينيون للعالم نموذجا آخر لمقاومة شعبية سلمية، تمزج القديم بالجديد.

وبتاريخ 30 آذار 2018، توحد عشرات الآلاف من الفلسطينيين في انشاد النشيد الوطني الفلسطيني بصوت واحد، على مرأى ومسمع من العالم، ومن رؤساء الحكومات الغربية. وبذلك النشيد، افتتح الفلسطينيون مظاهراتهم السلمية على السياج الحدودي لـ "غيتو" غزة. وقد طالبوا بأن يولي العالم اهتماما أكثر لمعاناتهم المستمرة منذ أكثر من عقد من الحصار غير القانوني، وغير الأخلاقي، وغير الإنساني، الذي أودى بحياة الالاف من الأبرياء، والاطاحة باقتصاد غزة، وتدميره.

وقد دعت "مسيرة العودة العظيمة" أيضا إلى الاعتراف بحق الفلسطينيين غير القابل للتصرف في العودة إلى المنازل والأراضي التي طردوا منها قبل (7) عقود.

أيام من الوحدة والأمل
وقد شكلت هذه المظاهرات والاعتصامات السلمية، على بعد مئات الأمتار من السياج الحدودي لقطاع غزة، كانت ملحمة أسطورية. فقد اقام المتظاهرون هناك احتفالات تتعلق بالتقاليد، والثقافة، والتاريخ الفلسطيني. كما أدى متظاهرون من جميع الأعمار دبكات شعبية، ورووا قصصا للصغار والكبار، وأطلقوا طائرات ورقية، وطبخوا وجبات تقليدية. وبين هذه الفقرات وتلك، وسردوا ذكريات، وأدوا الصلوات، ورتلوا الدعوات من أجل العودة، والحلم بالتحرر والخلاص.

أقيمت خيمة لإحياء ذكرى قريتي، التي هجرت منها، "بيت درّاس"، التي هُجّر أهلها، وتم هدمها في العام 1948. كانت الخيمة مليئة بالناس، من جميع الأجيال، ومن مختلف المخيمات، والبلدات في غزة. طبخوا وجبة "المفتول" التقليدية، التي كانت مشهورة جدا في بيت دراس. كما قاموا بتنظيم عدد من حفلات الزفاف الفلسطينية. كانت أيام من السعادة والسهر والفرح.

اما الاحتلال، فلم يرق له ذلك، ولم ترق له فرحة الفلسطينيين، ولا سلميتهم في التظاهر، فكان رده قاسيا. فقد استهدف القناصة الإسرائيليون، المتمركزون خلف اسلاك شائكة، وفي سيارات جيب، وأبراج عسكرية، المتظاهرين، مما أسفر عن استشهاد ما لا يقل عن (130) شخصا، وجرح الآلاف، بينما كان القناصة مدججين بالسلاح، دون ان يهدد حياتهم أي شيء. وفي يوم 14أيار 2018، قتلت قوات الاحتلال (62) متظاهرا، وأصابت أكثر من (3) الاف اخرين.

يجب عدم التعامل مع الفلسطينيين على انهم أرقام. غير ان هذه الأرقام تكشف عن الجريمة الشنعاء التي ارتكبت ضدهم، حيث قرر الاحتلال حرمانهم من حقهم في الاحتجاج السلمي.

ومن خلال مسيرة العودة العظيمة، قال الفلسطينيون للعالم، بمن فيهم السلطة الفلسطينية، وببلاغة:"أن المجتمع المدني الفلسطيني ما يزال على قيد الحياة، وهو قوي،وقادر، على الرغم من الجهود الهائلة لتهميش القضية الفلسطينية".

وعليه، لم يعد السؤال المطروح هو:"أين المجتمع المدني في غزة، وأين قادته؟"

بدلا من ذلك،يجب ان يكون السؤال هو ما طرحته "مسيرة العودة العظيمة": أين العالم؟ أين المجتمع الدولي؟ لملاذا يستمر بالصمت؟ ولماذا لا يتحرك لإنقاذنا؟
تنكر العالم لمعاناة الفلسطينيين، عندما أطلقت غزة صرختها العظيمة،بتاريخ 14 أيار 2018،كان قناصو الاحتلال يطلقون النار على الفلسطينيين واحداً تلو الآخر، وكان جاريد كوشنر، وإيفانكا ترمب، يشرعون احتلال إسرائيل للقدس، في انتهاك بغيض للقانون الدولي.

ولهذا، تستمر إسرائيل في تدميرها لحياة الفلسطينيين، وتطهيرها العرقي لفلسطين، وتحويل الفلسطينيين إلى أكبر مجموعة لاجئين في العالم. غير ان هؤلاء اللاجئين وأحفادهم هم الذين يعيدون وضع جدول الأعمال العالمي، رغم ان الثمن كبير، ولا يمكن تصوره، بينما يواصل العالم التنكر لهم.

 

ترجمة: ناصر العيسة،عن: "ميدل ايست أي"

التعليـــقات

جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء
تصميم وتطوير