عهد التميمي و"آن فرانك".. مقارعة الحقيقة بالوهم!!

05.10.2018 12:30 PM

كتب: القاضي د. أحمد الأشقر

قبل أسابيع كتب الشاعر اليساري الاسرائيلي (يوناتان جيفين) قصيدة على صفحته على موقع (إنستغرام) أهداها  إلى عهد التميمي، وقد قال فيها "ارتكبت فتاة جميلة تبلغ من العمر 17 عاما امرا فظيعا عندما داهم جندي إسرائيلي فخور منزلها، قامت بصفعه، وفي تلك الصفعة، كان هناك 50 عاما من الاحتلال والإذلال".

الشاعر اليساري جيفين تعرض لانتقاد شديد وعقاب شديد من الصهيوني الأكبر ليبرمان الذي أمر إذاعة جيش الاحتلال بمنع بث أغاني هذا الشاعر أو إجراء مقابلات معه، ويبدو أنّ ليبرمان خشي من انكشاف الوهم الذي صنعته الرواية المزيفة للصهيونية العالمية عندما قام هذا الشاعر بمقارنة  معاناة عهد التميمي الحقيقية، بمعاناة الطفلة اليهودية (آن فرانك) الوهم.

مذكرات (آن فرانك) التي يشكك الكثيرون بصدق ما ورد فيها، حظيت بأكثر الكتب مبيعاً في العالم، هذه الفتاة اليهودية التي استطاعت الصهيونية العالمية تسويق روايتها كطفلة بطلة عانت من سنوات الاختفاء مع عائلتها هرباً من النازيين، تحول بيتها في هولندا إلى مزار لمئات الآلاف من الزوار المتعاطفين مع روايتها، وفي الوقت الذي أثبتت الدارسات أنّ آنا فرانك ماتت بسبب مرض (التيفوس)، نجد أنّ الصهيونية العالمية قد زرعت في رؤوس الكثيرين أنها ماتت محروقة في الهولوكوست، إنها صناعة الوهم بأبهى تجلياتها، وما بين (آن فرانك) وعهد التميمي، تنجلي صور مقارعة الحقيقة بالوهم، الفارق الوحيد أنّ (فرانك) حظيت بدعم كبير من الصهيونية العالمية لنشر روايتها عن عذابات اليهود، في حين أن التميمي  تتعرض لحملة تشويه من أبناء جلدتها، ربما بقصد أو بدونه، تبدو التميمي في هذه الأيام وكأنها سرقت عذابات الشعب الفلسطيني وأخفته في جيبها، لتقف الآن وحيدة  عاجزة حتى بالصمت المطبق عن تصديق ما يحدث من هجوم غير مفهوم ممن تمثل قضيتهم وعذاباتهم.

لنعترف، حملة الموساد والشاباك لتشويه (عهد) تقطع شوطا كبيرا وتحقق نجاحات لم تتوقعها، ضباط احتلال ربما يكونون في قمة السعادة وهم يراقبون (بوستات) متزايدة لفلسطينيين يهاجمون عهد، ضابط في الموساد يقول أن ما تفعله هذه الفتاة (عهد التميمي) ألحق الضرر بصورة إسرائيل أكثر مما فعلته وزارة خارجية بأكملها، وليبرمان يعاقب شاعر اسرائيلي لأن نظم قصيدة تعاطف معها، الصهيونية صنعت رموزا من الوهم لكسب التعاطف ونحن نساعد من حيث لا ندري الاحتلال في تشويه رموزنا الحقيقية القادرة على جلب التعاطف لنا وفضح الاحتلال.

نظرية المؤامرة ربما هي من عشعشت في أدمغة الفلسطينيين، العالم بات يصدق روايتنا، لكننا لم نعد نثق حتى بمن يتعاطف معنا، أحدهم يتساءل: لماذا لم يخرج يهودي واحد في العالم ليحتج على أنّ آن فرانك وحدها هي من خلدها التاريخ دوناً عن مئات آلاف اليهود الذين ماتوا في المحرقة؟ بينما نتساءل نحن في كل يوم وبتشكيك واضح لماذا عهد التميمي من حازت على هذا الاهتمام دون عن بقية الأسرى والأسيرات؟

ربما يكون الجواب تقليديا، لكنه جواب كاف، عهد نشأت منذ أن كانت  ابنة سبعة أعوام في حضن والدة ووالد ربما آمنوا كثيرا بما تفعله، في بلد اشتهرت بالمقاومة الشعبية وحضور كبير من المتضامنين الأجانب، عائلة عهد دعمتها ووقفت إلى جانبها في الوقت الذي يرفض منا الكثيرون حتى أن يشارك أبناؤنا في مسيرة أو تجمع قد يقترب من نقاط التماس مع الاحتلال، وفي الوقت الذي كانت فيه عهد ابنة السبعة أعوام توجه قبضة يدها إلى وجه جندي في جيش الاحتلال، كنا نحن نقرأ على رؤوس أطفالنا المعوذات كي لا يخرجوا للشارع وقت المسيرات.

عهد ليست بديلا مفترضا عن عذابات الأسرى، وعن رواياتهم، لكن الظروف المحيطة بها ساعدت في انتشار روايتها التي تمثل في الحقيقة  جانب من رواية العذاب الجمعي الفلسطيني، وتحديدا عذابات الطفولة والأمومة والأسرى والأسيرات، نحن نعيش الآن في هولوكوست حقيقي قد تساهم عهد في فضحه لو دعمناها وآمنا بها، وبالمقابل، (آن فرانك) نجحت في مقارعة الحقيقة بالوهم، لأنها وبكل بساطة، وجدت دولة وشعباً بأكمله لتسويق روايتها، وما بين عهد التميمي و(آن فرانك)، يصبح الجهل رصاصة نطلقها على رؤوسنا دون رحمة.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

التعليـــقات

جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء
تصميم وتطوير