خالد بطراوي يكتب لوطن "هلوسات": الخان والنافورة

09/07/2018

لم أشارك في إستقبال الأمير البريطاني وفي فعاليات إفتتاح نافورة رام الله الضوئية ولا في فعاليات إستقبال المغتربين من أبناء رام الله، وشاركت في فعالية إفتتاح صرح الشهيد وفي مسيرات التضامن مع أهلنا في قطاع غزة وفي المسيرات عند الحواجز الإسرائيلية.

وفي الوقت الذي كانت تجري فيه هذه الفعاليات كان هناك فعاليات مقاومة للاحتلال وتحديدا في الخان الأحمر حيث تجري محاولات إقتلاع وتشريد أهلنا هناك.

لا يجب أن يلوم أهلنا في الخان أولئك الفرحون بنافورة رام الله ولا يزاود أهلنا الفرحون بالنافورة على أهلنا المرابطون في الخان، فتلك معادلات الشعب الفلسطيني. ولا ألوم من شارك في كل الفعاليات الاحتفالية وبالمقابل يجب أن لا يلومني أحدا منهم لأنني لم أشاركهم هذه الفعاليات.

ولا يحق لأي كان أن ينتقد أو يزاود على هذا الفوج الكبير من المغتربين القادمين الى مسقط رأسهم رام الله، فمن بينهم أيضا من قد اعتقل سابقا أو أصيب بجراح أو غير ذلك من انتهاكات الاحتلال، ولكل منهم ربما حاليا معتقل أو شهيد، وهم أيضا ملح هذه الأرض ولهم فيها ذكرياتهم وتاريخهم وإمتدادهم وإلا لما حضروا للمشاركة في هذا الحدث الضخم. فمن حقهم أن يفرحوا بقدومهم ومن حقنا أن نفرح بهم.

ولا أعتقد أن إطلاق تصريحات تحدد للمغتربين المسارات التي يجب أن ينطلقوا نحوها يخدم غرض تحقيق المصالح العليا للشعب الفلسطيني. لا ينبغي أن يقول قائل مثلا "لينطلق باص يحمل بعض المغتربين الى الخان" أو " لماذا لا يتم تنظيم جولات ميدانية للمغتربين في مناطق التماس والمخيمات وعند جدار الفصل العنصري" لأننا ببساطة لا نحدد للناس شكل مساهمتهم في حراك الشعب الفلسطيني. وأتقبل في ذات الوقت ما طرحته الصديقة العزيزة فاتن فرحات عن " التوازن " بمعنى أنه كان من الممكن جدا دمج فعاليات نافورة رام الله ومؤتمر المغتربين والمظاهر الاحتفالية المبهجة مع تنظيم جولة ميدانية للاطلاع على جدار الفصل العنصري أو زيارة البلدة القديمة في الخليل لمشاهدة التغول الاستيطاني أو زيارة عرب الجهالين أو غيرها من الفعاليات، خاصة وأن المؤتمر يحمل إسم " مؤتمر القدس".

إن نافورة رام الله وفعاليات إستقبال المغتربين في رام الله ورقصات الدبكة في قطاع غزة قبالة قناصة الاحتلال والحراك المقاوم في الخان ودبك الدبكة الشعبية الفلسطينية في واشنطن وعند الحواجز جميعها تكمل بعضها البعض وتعبر عن إرادة حياة ورغبة في التحرر والاستقلال ويجب أن لا نستهين بأي منها، ولنتذكر جميعا ما قاله شاعرنا الراحل محمود درويش وغناه مارسيل خليفة " إنني أرتشف القبلة من حد السكاكين".

ثمة أساسيات يجب وبالضرورة أن ننتبه لها في حياتنا الداخلية الفلسطينية، أولى هذه الأساسيات أن لا أحد من بيننا يحق له الإدعاء باحتكار العمل الوطني الفلسطيني فلكل منا بصورة منفردة أو مجتمعة مساهمته التي يرتأيها، فللكلمة فعل الرصاصة كما قال ذات يوم أديبنا الفلسطيني يحيى يخلف. وفي هذا السياق يجب ان نتوقف جميعنا عن "إلصاق الطوابع" بالقول هذا وطني وذاك مطبع وآخر عميل وهكذا.

ثاني هذه الأساسيات . ولها علاقة بأولى الأساسيات أنه لا يحق لأي منا أن يختزل نضال الآخر ورؤيته للخط النضالي الذي ينتهجه، إن كل جهد مبذول في مقارعة الاحتلال ( ولو بشق تمره) هو جهد يخدم المصالح العامة للشعب الفلسطيني.

ثالث هذه الأساسيات له علاقة بالمعادلة الموزونة بين حجم الفرح وقت الأزمات والمعاناة، فلا يعقل مثلا أن نذهب الى بيت عزاء تصدح الى جانبه موسيقى أعراس صاخبة في بيت مجاور إذ بالامكان الاحتفال والفرح بطريقة تراعي الظرف المحيط.

أذكر – قبل أعوام بعيدة - أنني ذات يوم كنت أسير في إحدى شوارع مدينة رام الله عندما لفت نظري رجل بدا لي أنه من المغتربين، وقد تقدم به العمر يتأمل أحد المباني، فتوقفت ورحبت به وبعد الحديث الأولى بدأت بالشرح له عن الطراز المعماري والتنظيم الحضري لمدينة رام الله بدءا من مخططات كندل البريطانية، وكان يستمع اليّ بابتسامته الهادئة العريضة وبعد ذلك دعاني الى منزله في اليوم التالي، وبالفعل ذهبت الى منزله، فأدخلني الى غرفة وشاهدت بها من الوثائق والصور التاريخية عن مدينة رام الله ما جعلني أقف مشدوها، قلت له " أوتعرف حتى الان .. لم نتعرف .. أنا خالد بطراوي" فأجابني " وأنا نسيب شاهين". دهشت لهذا التواضع فمن أنا في حضرة نسيب شاهين ومن أنا في حضرة والده عزيز شاهين .... رحمهما الله، في جامعة بيرزيت يوجد مبنى باسم عزيز شاهين وآخر باسم نسيب شاهين، أذكر ذلك لا لشىء وإنما لقوم يتفكرون.

النافورة إن عممت في باقي المدن الفلسطينية ستدخل السرور الى قلوب أطفالنا، ومؤتمر أبناء رام الله إن عمم في باقي المدن والقرى الفلسطينية أيضا سيخدم شعبنا، والملثم الذي يوزع البيان، وذلك الذي يكتب بالحبر على الجدران، وهذا الذي يصرخ في بسالة أن تقدموا لا خائف منا ولا جبان، والشهيد الذي يسقط في دماءه مضرجا يستنطق الزمان كما قال شاعرنا الكرمي ورئيس اتحاد كتابنا الجديد الشاعر عبد الناصر صالح .. جميعهم يخدمون القضية.