فاطمة وأسير يخطان للشهيد رائد نزال وفاءهم لوصيته بقلم النجاح

09.07.2018 09:07 PM

رام الله- وطن- رولا حسنين: "حاولتُ أن أكتبكَ لأسير طفلك الذي كَبُر دونك، فلم أستطِع، ماذا أقول له وهو الذي يشبهك في كل شيء، حاولتُ أن أسرد لأسير ماذا يخبؤ قلبي لكَ فلم أستطِع، فأنت روح لا تُحكى، قلب لا يُتلى، مشاعر لا تدوّن، كُتب لها أن تظل حبيسة القلب الذي أحبكَ دوماً، وأقسم لك يوم استشهادك بالوفاء المطلق لك، ها أنا اليوم أبرق لكَ نجاح ابننا أسير في الثانوية العامة، نجاح كان حلم يراودكَ، واليوم يسطره ابننا لتظل وصيتك خالدة فينا ونظل لها أوفياء، وصية العلم والمعرفة التي يمكن من خلالها تحرير الوطن المُحتل".. هذا أقل ما يمكن التعبير به عن نظرة معمقة من عيون فاطمة دعنا وهي تقف أمام صورة زوجها الشهيد رائد نزال، تسرد له بصمتها ما فعلته السنين بعد فراقهما القسري، نظرة تأخذ فاطمة الى عالمها مع رائد ثم تعيدها نسمة هواء تزيح عن روحها غصة الفقد والمسؤولية، أما أسير فكان يكفي أن يقول "جاهدتُ كثيراً لأكون كما أرادني أبي، وعليّ أن أحمل اسمه بفخر".

أسير هو اسم نجل الشهيد رائد نزال أحد قادة كتائب الشهيد أبو علي مصطفى في الضفة المحتلة، والذي اجتاز امتحان الثانوية العامة هذا العام بنجاح.

تقول فاطمة والدة أسير خلال حديثها مع وطن إن ظروف ميلاد أسير لم تكن طبيعية، إذ كان والده الشهيد رائد مطارداً آنذاك، واستشهد عام 2002 وكان عمر أسير عام وبضعة أشهر فقط، أي بعد عامين من زواجها برائد، ليكون قدر أسير أن يحيا في ظل رحيل الأب، وكأن ميلاد روح يجب أن يسبقه رحيل أخرى.

وتضيف "استشهاد رائد حمّلني مسؤوليات صعبة جداً لا يمكن حصرها، فكان عليّ أن أتقمس دور الأم والأب في ذات اللحظة، في محاولة لتعويض أسير عن فقده لوالده منذ نعومة أظفاره، وفي محاولة لمداراة المجتمع الذي يحاول أن يتدخل في شؤون حياة زوجة الشهيد أو الأسير كنوع من التضامن الذي يشمل التدخلات السلبية أكثر من الايجابية".

أما عن سرّ سبب تسمية ابنهم "أسير" بهذا الاسم، قالت فاطمة إن ارتباط وثيق بين رائد والحركة الأسيرة، فهو اعتقل عندما كان بعمر الثانية عشر، ثم الخامسة عشر، وأمضى في سجون الاحتلال ما مجموعة 15 عاماً، وتحرر في صفقة تبادل الأسرى عام 1999، وكان لديه ملحمة يعمل فيها اسمها "ملحمة الأسير"، عدا عن اشتمال الاسم على كم كبير من المعاني الهامة مثل التضحية والحرية والثورة والكرامة، كما أن قضايا الأسرى هي سبب اجتماعي بزوجي الشهيد رائد بعد تحرره.

بروح تداري فقدها، وقلب يتألم بصمت المُحب، وبلسان يحاول أن يظهر القوة لا سواها، أكملت فاطمة حديثها، مؤكدة أنها وبعد نجاح أسير في الثانوية العامة يمكنها أن تقول لرائد "ها أنا اليوم أهديك هذا الانجاز وكلي فخر بك، زوج وحبيب ورفيق وصديق"، وكأن فرح الدنيا كله اجتمع في قلب فاطمة وهي التي تحاول كتمان رجفتها وحزنها على فراق رائد، وقسوة هذه السنين التي عصفت بها، إلا أنها أصرّت أن تكون زوجة شهيد وأم أسير، الفتى الذي يشبه أباه في تفاصيل الشكل والوجدان، الفتى الذي امتلك معاني الحرية التي قضى رائد شهيداً لأجلها، وأنشأته عليها والدته فاطمة.

أما أسير وبعيون دارت الدمع في جفنيها وهو يتحدث لـ وطن، أهدى نجاحه لروح والده الذي يؤمن أنه يرقب تألقه من السماء ويضحك مباهٍ به أهل الأرض والسماء بما ترك خلفه من أثر، ولوالدته التي كابدت صخر السنين لتكون أم أسير ابن الشهيد رائد الذي سيحمل اسم والده ما حيا، "كنت بتمنى أبوي يكون جنبي بهيك لحظات، يكون فخور فيّ لأني حققت حلمه، لأنه الأب سند وقوة".

ناضلتُ حتى أوصلتُ أسير كما أراده والده، شاب يتخذ من العلم سلاحه لبناء وطن بعد تحريره، فرائد كان يؤمن بأهمية الجانب الأكاديمي الى جانب العلم المقاوم في تحرير فلسطين كل فلسطين، اليوم تقف فاطمة لتقول لرائد "ما طلعت شمس على صباحنا وما أنار القمر ليلنا إلا وكنتَ أنتَ الشمس والقمر، ما ضللنا الحلم ولا الوصية، ما ضللنا العهد ولا القضية، إنا مؤمنون بك يا رائد وبالوطن، مؤمنون بالعهد المقدس بيننا حتى التحرير".

رائد نزال هو قائد كتائب الشهيد أبو علي مصطفى في الضفة المحتلة، أمضى في سجون الاحتلال نحو 15 عاماً، واستشهد بتاريخ 26|4|2002 بعد عملية اطلاق نار مع قوات الاحتلال حيث اقتحمت قوات الاحتلال أكثر من عشرة مواقع للبحث عن الشهيد ورفاقه المطاردين، وحينما أحكم الطوق على المجموعة طلب الشهيد من رفاقه الانسحاب، وخاض المعركة بنفسه طوال ساعتين للتغطية على رفاقه، ولم يتمكن الاحتلال منه الا بقذائف عن بعد لتحول جسده العملاق إلى أسطوره نضالية في التضحية والفداء والتواصل.

التعليـــقات

جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء
تصميم وتطوير