رسائل "قلب شجاع" من اسكتلندا! بقلم: نصار إبراهيم

20.09.2014 12:57 PM

يذكر الكثيرون فيلم "قلب شجاع" للمخرج الاسترالي ميل جيبسون، وهو يصور ملحمة وليام والاس الذي قاد المقاومة  ضد الإنجليز المحتلين خلال فترة حروب استقلال اسكتلندا قبل 700 عام تقريبا.


في الاستفتاء الذي جرى في اسكتلندا يوم 18 أيلول 2014 للتصويت على إنهاء ارتباط اسكتلندا بالمملكة المتحدة المستمر منذ 307 سنوات أو البقاء ضمن الاتحاد صوت 55.3% من الاسكتلنديين مع رفض الانفصال فيما أيده 44.7%.

في هذا التعليق الكثيف لا أستهدف الدخول في النقاش السياسي والفلسفي لمسألة الانفصال أو مفهوم حق تقرير المصير، أو حيثيات ومبررات القوى الداعية للانفصال ومبررات وحيثيات القوى المؤيد للوحدة في اسكتلندا.

ما أريد لفت النظر إليه هو الرسائل والدلالات التي يحملها حدث الاستفتاء والنتائج التي أفضى إليها... فمع أن اسكتلندا كافحت ولمئات السنين من أجل استقلالها إلا أنهااليوم وبغالبية أكثر من نصف مواطنيها تختار الاستمرار في الوحدة مع المملكة المتحدة التي مارست عبر التاريخ كل صنوف القهر والإذلال والاستغلال ضد الأسكتلنديين  بما في ذلك "حق الليلة الأولى" للنبلاء بالدخول على زوجات الفلاحين الاسكتلنديين الفقراء قبل أزواجهن... إضافة إلى الاستغلال الاقتصادي حيث يبلغ الناتج المحلي الإجمالي لاسكتلندا 163 مليار يورو،  وأكثر من 90%من نفط بحر الشمال يقع على شواطئ اسكتلندا، فيما تبلغ صادرات اسكتلندا السنوية من الويسكي (السكوتش) فقط 4.3 مليار جنيه استرليني.

إذن هناك مبررات ومسوغات جدية وعميقة لهذا الاستفتاء، ومع ذلك اختارت غالبية الاسكتلنديين البقاء ضمن الوحدة... فما هي المعاني والدلالات لهذا التصويت، وما هي الرسائل التي بعث بها إلينا القلب الشجاع من اسكتلندا؟
أولا:رسالة القلب الشجاع الأولى هي كشف التناقض المخيف الذي يحكم سياسات بريطانيا،بريطانيا ذاتها التي تعرفونها صاحبة اتفاقية سايكس بيكو لتقسيم العالم العربي... بريطانيا التي تبذل كل طاقتها للحفاظ على الوحدة مع اسكتلندا ... هي ذاتها التي لا تنام الليل في سبيل تقسيم وتمزيق وحدة الشعوب والأمم الأخرى... فهي صاحبة الحق الحصري لمبدأ "فرق تسد" منذ أن كانت إمبرطورية لا تغيب عنها الشمس وصولا إلى مرحلة بريطانيا العجوز، ومع ذلك لم تيأس من مواصلة سياساتها العدوانية ضد الأمم الأخرى.
ثانيا:وانطلاقا من المبدأ اللينيني السياسي العميق الذي يقول بتأييد حق تقرير المصر بكل حرية ولكن ليس بالضرورة أن يعني ذلك تشجيع الانفصال، لهذا اختار الاسكتلنديون الوحدة رغم كل الثغرات والمظالم التي تعرضوا ويتعرضون لها على مر التاريخ من المملكة البريطانية، ذلك لأن الوحدة من حيث المبدأ هي قيمة إنسانية وسياسية وأخلاقية بامتياز... فالمظالم والاختلالات يمكن تصحيحها بالنضال والكفاح الطويل فيما يعكس التقسيم والتمزيق تراجعا إنسانيا تجاه مفهوم الأنسان ككائن اجتماعي، كما أنه يتعاكس مع صيرورات تطور البشرية التي تتقلص بينها الفوارق والمسافات بحكم التكنولوجيا وثورة الاتصالات والتشابك الاقتصادي في ظل العولمة وما يرتبط بكل ذلك من ثقافة جامعة دون نفي الخصوصيات، غير أن هذه الوحدة مشروطة بتوفر العدالة والمساوة والحرية الحقيقية... وذلك من أجل أن تكون الوحدة تعبيرا فعليا عن حق تقرير المصير بصورة إيجابية وليس سلبية.

ثالثا:رسالة القلب الشجاع الثالثة هي توجيه صفعة مدوية للواقع العربي... ففي حين يختار الاسكتلنديون، الذين يعتبرون شعبا مستقلا بذاته وبتاريخه وحضارته، الوحدة مع الدولة التي احتلته لمئات السنين، نجد الأمة العربية ذات التاريخ الواحد، واللغة الواحدة، والثقافة الواحدة والجغرافية الواحدة والحضارة الواحدة تبذل كل طاقتها لتقسيم ذاتها أو تكريس ما قسمه الاستعمار... وبدل شعارات الوحدة ترتفع شعارات: مصر أولا،الأردن أولا، لبنان أولا، العراق أولا... والقرار الوطني الفلسطيني أولا...وهكذا... فأي خيبة أعظم من ذلك؟!
رابعا: ورسالة قلب شجاع الرابعة من اسكتلندا للعرب هي بمثابة فضيحة بكل المعاني، فهي تكشف عمق المأزق والأزمة وفقر المخيال وحالة العجز المريع للنظم وللنخب السياسية والثقافية العربية وهي تذهب برجليها لتخوض في مستنقعات الطائفية وتمزيق بلدانها إلى دويلات قبلية وطائفية وإثنية، هكذا جرى تقسيم السودان، ويجري التمهيد لتقسيم العراق واليمن، وتستعد سكاكين الاستعمار والإرهاب لتقسيم سوريا، ومصر والجزائر والمغرب، وتقسيم لبنان لدويلات طائفية وهكذا... يجري كل هذا فيما العرب يرقصون على أنقاض وطنهم العربي الكبير بكل رعونة وخفة وغباء.

خامسا: أما رسالة القلب الشجاع الخامسة فهي موجهة إلى "شعب الجبارين" أي إلينا نحن الفلسطينيين... وهنا لن أسجل ولن أضيف ولن أعلق أو أنوه بكلمة واحدة... يكفي هذا!

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

التعليـــقات

جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء
تصميم وتطوير