في الحاجة الى ناصرية جديدة

الخميس | 29-09-2016 - 10:13 مساءً

وطن للأنباء -  رأي وطن: هذا الحضور الدائم عند كل ازمة تعصف بالامة من مشرقها الى مغربها، يؤكد ان هذا الرجل قد حفر اسمه على صخرة التاريخ العربي كعظيم، وصاحب حلم كبير، جهد كثيرا في تحقيقه، وتعرض لكل المؤامرات الاستعمارية التي كلفته حروبا ومساومات كي يبقي على المشروع حيا، كان متحديا،  وكان مهموما بأمة قوية تستطيع ان تكون على قدم المساواة مع الامم الكبرى، ولأنه كان كبير الحلم، التفت شعوب الامة كلها حوله ليكون زعيم طموحها في التحرر والوحدة والتقدم بلا منازع، فيما اجتمعت عليه كل قوى التخلف والرجعية وتبع الاستعمار من الزعماء العرب، واضعين كل العصي في دواليب التقدم والعدالة والتحرر والوحدة التي ظل يكرز بهما كنبي احبه الناس وكرهته شيوخ القبائل.

لم يكن عبد الناصر شخصا، كان امل امة انطفأ في اوج العطاء، لم يتحمل قهر الهزيمة كما تحمل مسؤوليتها، وبموته المفاجيء بدأت نقطة الانعطاف يمينا في الوطن العربي، هذه الانعطافة التي لا زلنا نعيش آثارها، وكلما شكونا من وطأة الواقع قفزت صورته الى الوعي، استعادة للأمجاد والمواقف الثورية التي كان يتحلى بها.

كان هناك في ميدان التحرير وكان في كل مظاهرة ترفع راية الحرية والتقدم والوحدة والعدالة، يموت فلاح مصر الان جوعا، وحين تسأله لماذا يجيبك قبل السبب بما كان فيه من كفاية في زمن عبد الناصر،  تختلف الامة وتتشرذم وحين تسأل لماذا كل هذا يقول كثيرون انه ليس زمن ناصر، ويشكو رئيس من ايام الستينات فينبري له شاب يقول له انك ثمرة الستينات، ولهذا لم يكن ناصر حالة عابرة في تاريخ العرب من عدن حتى سواحل الاطلسي.

يعاب على ناصر الذي وصفه الشاعر العراقي الكبير محمد مهدي الجواهري بأنه "كان عظيم المجد والاخطاء" انه لم يكن ديموقراطيا، ولم يتخذ من الديمقراطية منهجا، بل كان دكتاتورا، بعضهم حاول تلطيف المصطلح تحت تأثير انجازاته الكبرى فقال "المستبد العادل"، وحتى لا نقع في التبرير فان مراجعة تجربة ناصر يجب ان لا تكون في نظرته للاقتصاد المنتج والتصنيع، والمعاداة للشروط الاستعمارية للتنمية، ولا في مجانية التعليم والصحة ولا في الاصلاح الزراعي وغيرها من التحولات التقدمية التي قادها في مصر ونسختها سوريا في ظلال الوحدة، وتبناها العراق والجزائر وهي ديمقراطية اجتماعية، انتشلت الكادحين من وحل التخلف والفقر والجهل والمرض، الا لمن يرى الديمقراطية بعين عوراء تقتصر على الموضوع السياسي وتداول السلطة وغيرها على ضرورتها، فانها لا تبني عدالة اجتماعية.

من هنا لا بد من مراجعة التجربة الناصرية لبناء ناصرية جديدة تجمع بين الديمقراطية السياسية والعدالة الاجتماعية، هذا الجمع الذي لا زال ينكره الديمقراطيون الليبراليون الذين يغطون بديمقراطيتهم هذه كل صنوف الاستغلال في المجتمعات.

هنا حاول مفكرون وقادة سياسيون نقد التجربة من داخلها امثال حمدين صباحي وامين اسكندر واكتسبوا شعبية في مصر تحتاج الى تعميق وتوسع في بناء تيار عروبي ناصري ديمقراطي غير تقليدي، لا يلعب بالديمقراطية لفظيا وانما يحققها في شقيها الاجتماعي الاقتصادي والسياسي المدني، ديمقراطية قائمة على فهم الظرف الموضوعي للواقع العربي، ومتطلبات كسر طوق التبعية للسوق العالمية على مستوى الاقتصاد وللقوى الكبرى على المستوى السياسي، وللمركزانية الغربية في الفكر والثقافة.

لا زال عبد الناصر ظاهرة راهنة وملهمة، ولا زالت تجربته هي الاكثر حنينا اليها في العالم العربي، فهو الذي اعطى مصر والعرب قيمتهم بين الامم وهو الذي استطاع ان يجعل مصر من دولة يتلاعب بها سفير بريطانيا الى قوة مؤسسة لدول عدم الانحياز.

من هنا نحن الى الناصرية، في لحظة تشتد الحرب على العروبة بالاسلام الداعشي او الاخواني لا فرق، وفي لحظة يراد للعربي ان ينسى عروبته، وفي لحظة تؤكد ان العروبة ودعوات الوحدة والتقدم لا زالت تشكل قلقا في الدوائر الامبريالية التي لاجل ان لا تستفيق عروبة عبد الناصر تطلق كل الوحوش المتأسلمة تعيث في ديار العرب فسادا وقتلا ودمار وهدما لكل مقدرات الامة.

هذه هي الناصرية التي يجب ان نسعى اليها، ناصرية تستلهم روح القائد وارادته، وتبني ديمقراطيتها المعادية للاستعمار كي تجمع بين الحرية والعدالة الاجتماعية بين التقدم والحداثة والاعتزاز القومي. ربما يكون الامر حلما لكن غير مستحيل التحقيق.

التعليـــقات

جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء