في ذكراها الـ21..الشهيدة مريم معالي، اجادت العمل السري بالفطرة وحرست نار التصدي

الأحد | 05-03-2017 - 07:28 صباحاً

ان تروي حكاية شهيد او شهيدة، تتسرب العاطفة الى كلماتك دون ان تدري، فكيف اذا كان المروي عنه، أخٌ او أبٌ او ابنٌ ،أو أمٌ؟ انجنبتك، وأرضعتك وعلمتك، واطعمتك وروت لك حكايات عن الانس والجن، وعشت معها خمسا وعشرين سنة، الى ان فارقت الحياة، وهي شعلة من العطاء، لا لأفراد اسرتها وحسب، بل للوطن وللمجتمع دون ان تنتظر مقابلا .

انها مريم معالي من مدينة سلفيت، كما يروي عنها نجلها الاسير المحرر خالد الذي يسند روايته عدد من الاسرى المحررين، بعد واحد وعشرين عامًا من وفاتها.

سلفيت- وطن للأنباء- مي زيادة: كانت تساعد ابنها وخليته، وكانت تزود المقاوميين بالماء والطعام والنقود وتراقب لهم تحركات جيش الاحتلال  والكمائن التي ينصبها لهم، كانت تقصد تلال سلفيت وجبالها حافية القدمين حتى لاتصدر ضجيجًا وتلفت الانظار.

قبل 21 عاما،رحلت الشهيدة مريم معالي عن خمسة وخمسين عاما، ومعها أسرارُ واحدةٍ من أكثر الخلايا صلابة وقوة، خلية الشهيد يحيى عياش ابن قرية رافات غرب سلفيت.

كانت الشهيدة معالي تمشي حافية القدمين تلتفت يمينًا ويسارًا، تمشي بخطى حذرة حتى لا تصدر اي ضجيج قد يلفت الانتباه، ويهدد حياة مقاوم اتخذ من الجبل ملجأ له، او قد يؤدي الى الامساك بخلية العياش او احد افرادها والذي ينتمي ابنها عبد الفتاح لهم.

معالي في "انتفاضة الحجارة" والتحاق ابنها بخلية العياش

في بدايات عملها الى جانب خلية العياش وبالتحديد خلال الانتفاضة الاولى او ماسميت بـ"انتفاضة الحجارة"؛ كانت معالي تحذر شبان الحجارة من تحركات جنود الاحتلال الذي يطاردهم، و كانت تدعو النساء إلى المشاركة بمساعدة الشبان، وتحفزهن لمقارعة الجنود وتخليص الشباب من مختلف الفصائل من بين أيدي الجنود دون تفرقة.

مع تصاعد وتيرة الاحداث خلال الانتفاضة"؛ اعتقل مئات الشبان فكان من بينهم أحد ابنائها، الى ان افرج عنه وانضم لاحقا الى أول خلية عسكرية في الضفة الغربية مع مؤسس الكتائب في الضفة زاهر جبارين والمهندس الشهيد يحيى عياش.

قبل يوم 19/11/1992 لم يكن أحد يعلم بخلية العياش؛ إلى أن دق جرس البيت الساعة الثانية بعد منتصف الليل؛ حيث كانت من أبرد ليالي الشتاء واقساها، ولكن ليس بقسوة سماع صوت جندي اسرائيلي منتصف الليل يصرخ "افتخ باب ..جيش "الدفاع".

لم تكن هذه المرة الأولى التي يأتي فيها جيش الاحتلال؛ ولكن هذه المرة تبدو مختلفة عن سابقاتها؛ يُفتح الباب وإذا بعشرات الجنود يقتحمون المنزل ويفتشونه، ويسأل ضابط المخابرات: "أين عبد .... ويكون الجواب: ليس هنا... يعاد السؤال: بحكي وين عبد، ويعاد الجواب: لا نعرف، ويعاود القول: طيب اسمعوا إن ابنكم إرهابي خطير ويعمل مشاكل، وإذا لم يسلم نفسه خلال أسبوع سيتم قتله بعد ذلك؛ فكروا بسرعة في الموضوع معاكم أسبوع ليسلم نفسه".

ويسلم الجيش والد المطارد عبد الفتاح ورقة بوجوب تسليم نجله خلال أسبوع وإلا يهدر دمه، ويصادر الجيش مع المخابرات كل الصور التي فيها صورته.

سيارة مفخخة

وفي صبيحة اليوم التالي للاقتحام ، يتضح أن ابنها (ابن الشهيدة معالي) كان قد افلت من حصار الجيش له في تل ابيب، في منطقة يطلق عليها الاحتلال (رمات افعال) حيث كان يحاول تفجير سيارة مفخخة ولاحقا؛  تتضح الصورة أكثر فأكثر، وإذا بمعد السيارة ومفخخها هو الشهيد القائد المهندس يحيى عياش ومؤسس الخلية زاهر جبارين.

بعد ذلك تتوالى الاقتحامات لمنزل الشهيدة بحثا عن ابنها، ويهدد ضابط الإدارة المدنية في حينها؛ بأنه سيتم إحضار ابنهم في كيس إن لم يسلم نفسه إلى قوات الجيش، وترد الشهيدة عليه: "الله أعلم من سيجمع في الكيس"، ليجاوبها الضابط بقوله: ما هو الأفضل لكم أن تزوروه على المقبرة أم تزوره في السجن.

بِدء عملها السري كمساعدة لخلية العياش

وتبدأ الشهيدة معالي بمساعدة ابنها وخليته في مقاومة الاحتلال، فكانت عينٌ لهم في سلفيت؛ وتزودهم بالطعام وكانت تراقب لهم تحركات الجنود؛ وتمدهم بالاخبار وتنقل لهم النقود وحاجياتهم عند انقطاعها بسبب المراقبة الصارمة من قوات الاحتلال؛ مستغلة هامش الحركة القليل للنساء.

وقد شوهدت مرة وهي تسير حافية القدمين وبحذر بين البيوت لكي لا يسمع أحد صوت قدميها وهي ذاهبة إلى الخلية التي يكون ذهابها اليهم مرتب بشكل مسبق.

تتشعب الحكاية، ويبدأ فصل جديد للمعاناة فيها، حيث تُنفّذ أول عملية للشهيد ساهر تمام من نابلس في مطعم في غور الأردن عند منطقة "محولا" – اقتحم مطعم يرتاده الجنود بجيب مفخخ - حيث تشاهد الطائرات المروحية وهي تنقل عشرات القتلى والجرحى الاسرائيليين، وبالتزامن مع العملية، يعود جيش الاحتلال لاقتحام منزل الشهيدة معالي، حيث تثور ثائرة الاحتلال ويزيد من الضغط على العائلة، ويبث جواسيسه لمراقبة المنزل، والساحة المقابلة للمنزل.

وتستمر معالي بمساعدة المطاردين من القسام، وتتخفى بحجة جمع الحطب تارة وتارة اخرى لقطف الزيتون.

وصار أمر روتيني عقب كل عملية أن تأتي قوات الاحتلال وتقتحم المنزل وتدمر ما تجده أمامها، وأحيانا كان الجنود  يضربون من في البيت جميعا، ويأتي خبر اعتقال القائد زاهر جبارين كالصاعقة، حيث اعتقل في مدينة نابلس هو وسلامة مرعي من قرية قراوة بني حسان، اعتقلا في منزل قرب جامعة النجاح، ليفرج عنهما لاحقا في صفقة وفاء الأحرار "صفقة شاليط" ويبعدا للخارج.

اعتقال التلميذ السادس للعياش

وفي منتصف أحدى ليالي الشتاء القارص ، يقتحم جيش الاحتلال البيت بطريقة مرعبة، ويبدأ بالصراخ وإطلاق الصوتيات وخلع الأبواب لاعتقال محمد بلاسمة من سلفيت، (يستشهد في الانتفاضة الثانية بتاريخ 6/8/2004 عبر كمين اشتركت فيه طائرتان والمئات من الجنود المشاة) ويعتبره الاحتلال التلميذ السادس للشهيد يحيى عياش.

الشهيدة معالي حاولت أن تمنع الجيش من مضايقة وترويع الأطفال، وتدفع الجندي خارجا وتقول له: (حرام عليكم اللي بتعملوه)، فما كان من الجندي إلا أن ضربها بعقب البندقية بعنف شديد على صدرها، شَعَرت حينها أن الدنيا تدور بها، والنفس مُقْفَل، ولا تشعر بمن حولها، إلى أن يتبين لاحقا؛ أن الضربة قد أثرت على الرئتين وتسببت بوجود ماء في الرئة، مع مرور الوقت بدأ يتجمع ببطء شديد وبمراحل، وبدأَت تمر بحالات إغماء لم يجد العلاج معها، ولا حتى العمليات الجراحية التي أجريت لها في مستشفى المقاصد في القدس المحتلة.

مع الوقت بدأ الألم يزيد؛ بسبب تداعيات اليوم المشؤوم الذي جاء فيه الجيش لاعتقال الشهيد محمد (صهرها)، فأصبحت الحياة قاسية، وأيام المبيت في المستشفى أكثر من المكوث في البيت، وكادت في إحدى المرات ان تفقد حياتها عندما أطلق الجنود المسيل داخل المنزل.

الرحيل الأصعب

ويأتي خبر استشهاد يحيى عياش بتاريخ 5/1/1996 في غزة كالصاعقة، والذي فاقم آلامها إلى حد لا يوصف، دعت له بالفوز بالجنة واللحاق به شهيدة؛ وكان لها ما أرادت، حيث ظلت تبكي لرحيله ساعات طوال، وتصر على رؤية جنازته وعرس شهادته الرمزية من إحدى شرفات المستشفى الوطني المشرف على دوار ووسط مدينة نابلس، وهي لا تقدر على الحراك.

كيف لا وهو الذي كانت تنقل له الطعام، عندما كان يبيت في الجبال، التي حولها إلى مخبأ له ولخليته، وهي التي كانت تزوده بأخبار تحركات جنود الاحتلال، فهو كابنها في كل شيء، وهو الذي كان يناديها: أمَّه.

عَمِلَت بصمت ورَحَلَت بصمت

وبعد كل هذا يأتي دور الموت في سبيل الله، لترحل روحها الطاهرة بهدوء، وصمت وسكون؛ بعد صراع مع مضاعفات الضربة، والتي أدت لاستشهادها،يوم 3/3/1996.

ولتودع روحها الطاهرة جبال وتلال سلفيت التي تشهد لها بالبنان، وحاراتها وأطفالها وابطالها الذين خاطبتهم وساعدتهم، بصمت وسرية.

التعليـــقات

جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء