نبيل عمرو يكتب لـ"وطن": الناس والقيادة

الأحد | 19-03-2017 - 10:07 صباحاً

إذا أردّت أن تعرف مزاج الناس، أطل جلستك في عرس أو مأتم ساعة إضافية، وحاول خلالها السماع ممن تلتقيهم وتلمّس انفعالاتهم وآرائهم.

ولقد حدث ذلك معي حين دُعيت لعرس في رام الله، وشاركت في عزاء في دورا.

الذي أقلقني في كل ما سمعت ليس هو الانتقاد الصريح للطبقة السياسية على مختلف وظائفها وتخصصاتها السياسية والسلطوية، الحكومية وغير الحكومية، فذلك أمر مألوف لي حين كنت أشغل مواقع رسمية، تغري الناس بمحاسبتي كممثل للسلطة والقيادة، وكنت أعتبر ذلك ظاهرة صحية وربما مناسبة للاقرار بالخطأ والاعتراف به، وأحيانا إزالة غموض يلف موقف السلطة من أمر يهم الناس.

غير أن ما لمسته في آخر عزاء وآخر عرس، هو ارتفاع حدة العداء والكراهية لكل شيء رسمي ، ولدى المواطنين قرائن دامغة عن أسباب هذا العداء، واعتناقه كأساس لعلاقة مع سلطة وطبقة سياسية تسمي نفسها القيادة.

ما هو الدرس الذي ينبغي ان يستفاد منه في هذه الحالة؟

هي دروس كثيرة في واقع الامر...أولها ان المصارحة معدومة بين الناس ومن يتولون شؤونهم، فلا يرون على وسائل الاعلام الرسمية الا صوتا واحداً ولا يسمعون الا لغة واحدة، حتى أصيب الناس بالملل فأداروا مؤشرات الراديو الى أماكن أخرى، وكذلك الامر بالنسبة لكل وسائل الاعلام.

وثانيا .. جمود ورتابة عناوين ومضامين الحياة السياسية، والناس في هذه الحالة يدركون ان لا علاقة بينهم وبين من ينصبون انفسهم قادة عليهم، ومع الرفق والحنان الذي تمارسه كثير من استطلاعات الرأي، وتحاول الخروج بنتائج غير محبطة، الا ان نسبة المعارضين في المجتمع تزيد عن الثلثين، اما الثلث المتبقي فليس مؤيداً تماما.
والسبب الثالث... هو اللجوء الى حلول امنية لمسائل حيوية تؤثر على الرأي العام الذي يتطلع الى حرية كافية اقلّه في التعبير عن الرأي.

الفلسطينيون الذين عانوا وما يزالون من شتى أنواع القمع والتضييق على الحريات، لن يقبلوا بأي حال وتحت أي تفسير ما يمس توقهم للحرية وممارستهم المحدودة لها عبر التظاهر او الكتابة على الجدران التي هي الان متاحة من خلال المواقع الالكترونية.

كل ذلك ومعه الكثير، يبعد المسافة بين المواطنين الذين يعدون بالملايين، والطبقة السياسية المدعية تمثيلهم وقيادتهم والتي صارت تعد بالعشرات، وما يزيد الطين بلة، ان المواطن لا يرى أي ترتيبات محكمة ومتواصلة ومنهجية وفعالة، لردم الهوة بين الطبقة السياسية والناس، وان لم تردم الهوة بعمل مستنير وديموقراطي ومؤسساتي، فالهوة لا تبقى على حالها بل تزداد اتساعا ، والانكى من ذلك ان الطبقة السياسية المتشبثة بالقابها ومواقعها، تدرك حجم الهوة أكثر من غيرها ولكنها تتعايش معها، او تصم الاذان وتغمض العيون عنها، فما دام القائد متمتعا بلقبه وشكليات زعامته فأموره بخير ولا يهم كيف هو حال الناس.

الوضع العام على الصعيد الشعبي يبدو لي غير مسبوق في مجال السلب ويقابله "تنطيش" غير مسبوق إزاء ما يجري وكأن الطبقة السياسية تعيش في عالم آخر بل انها كذلك بالفعل.

التعليـــقات

جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء