الأكاذيب التجارية السامة المغلفة بغلاف صحي وبيئي زائف

الأحد | 19-03-2017 - 01:14 مساءً

وطن للأنباء- تقرير: جورج كرزم

يبدي العديد من الناس استعدادهم لدفع مبالغ مالية كبيرة من تعبهم وعرق جبينهم، لشراء سلع غذائية نظيفة خالية من الأوساخ الكيميائية؛ لذا فهم يتوقعون بأن تكون تلك السلع، وبخاصة التي تُسوّق باعتبارها عضوية وطبيعية وبيئية- يتوقعون بأن تكون حقا كذلك؛ فتسهم بالتالي في تحسين جودة حياتهم وصحتهم.  لكن، للأسف، نجد أحيانا كثيرة أكاذيب تجارية سامة مغلّفة بغلاف صحي زائف.

إجمالا، يجب ألا نفترض بأن المزاعم البيئية والصحية للشركات التجارية صحيحة؛ لأنه في حالات كثيرة ينثر المنتجون والمصنعون تلك المزاعم دون التحقق منها من جهة مستقلة.

شاعت في السنوات الأخيرة ظاهرة الأكاذيب "البيئية" و"الصحية" التي تروجها لنا العديد من الشركات والصناعات الغذائية والزراعية المحلية والأجنبية على حدٍ سواء؛ وربما صدقها بعضنا دون تردد.  لذا، وبهدف حماية صحتنا ونفقاتنا ومحفظتنا المالية، سنستخدم في هذا التقرير عيوننا الفاحصة لكشف بعض أبرز التعابير والمصطلحات الشائعة المدموغة على العديد من السلع، سواء كانت سلعا صحية وخضراء حقا، وبالتالي قد تكون تلك التعابير والمصطلحات صادقة، أم سلعا يمارس منتِجوها ما يعرف بـ "greenwash"، أي "غسيل الدماغ الأخضر"، أو ممارسة الأكاذيب  التي تدخل في باب غش المستهلك.

"غير سام"

يشير هذا التعبير المدموغ على سلعة ما، بأنها ليست خطرة على صحتنا أو بيئتنا.  إلا أن هذا الزعم غالبا ما يستعمل في المنتجات دون التحقق منه من قبل خبير مرخص أو جهة تفتيش مستقلة أخرى.  بمعنى أن هذا مجرد ادعاء الشركة المنتجة للسلعة ليس أكثر، ويتم طباعته في بطاقة بيان السلعة. وفي غياب شهادة طرف ثالث مستقل يعزز هذا الزعم ويعرفه، فلا يمكننا الوثوق به.

"طبيعي" أو "طبيعي 100%"

هذا المصطلح على بطاقة بيان السلعة لم يتم تعريفه قانونيًا وتنظيم التعامل معه بشكل واضح وقطعي.  لذا، فأياً كان قد يستخدم ذات التعبير دون رصيد حقيقي.  كما لا بد من التنويه بأن هناك كما كبيرا من المواد "الطبيعية" مثل الزرنيخ على سبيل المثال، ليست بالضرورة آمنة أو جيدة لصحتنا وبيئتنا.

"منتج طبيعي يعني بأن مصدره الطبيعة"

غالبا ما يستخدم هذا الادعاء في المنتجات التي لم تخضع لفحوصات من جهة مستقلة.  ويتم وضع هذا الادعاء على السلعة من قبل المُنْتِج؛ وقد يعني بأنها "طبيعية" في اللون أو أي شيء سطحي آخر.
في حال أن منتجًا ما طبيعي حقا، بمعنى أن مصدره الطبيعة، فيجب أن يتضمن قائمة مكونات تفصيلية تعزز صحة الادعاء.

"أخضر" أو "صديق للبيئة"

هذه التعابير وغيرها من التعابير المشابهة لا معنى لها ما لم يرافق بطاقة البيان دليل موثوق يتمثل في شهادة طرف ثالث حسن السمعة، مثل "الختم الأخضر" (Green Seal)، وهي منظمة دولية مختصة بتطوير مواصفات قياسية بيئية ومنح شهادات للمنتجات والخدمات البيئية (الإيكولوجية)، استنادا إلى معايير الأداء والصحة والاستدامة.  كما لا بد أن تتضمن السلعة قائمة مكونات وافية وكاملة.  ولا بد أيضا التحقق من التغليف:  هل هو مصنوع من مواد معاد تدويرها أو قابلة لإعادة التدوير؟  وكي تكون السلعة في مستوى إعلانها التجاري وبطاقة بيانها، يجب أن يترجم منتِجوها الأقوال إلى أفعال، وليس مجرد كلام في كلام.

"خالٍ من الكيماويات"

يُعتبر هذا التعبير خاطئا في جميع الأحوال، لأنه لا يوجد عمليا أي شيء على الكرة الأرضية خالٍ من الكيماويات.  فالماء والهواء والمعادن مكونة جميعها من مكونات كيميائية.  فلدى قراءتنا هذا الزعم على سلعة ما، يفضل عدم شرائها؛ لأن مُنْتِج هذه السلعة يبالغ بشكل صارخ في ادعاءاته، لإغرائنا بشراء سلعته التي قد تحوي مكونات أخرى ضارة لم يذكرها المنتج في بطاقة البيان.

"مُنتجات عضوية خالية من السموم"

تحوي الكثير من المنتجات كلمة "عضوي" على أغلفتها.  لكن، ما لم يتم التحقق من التسمية من قبل خبير مرخص أو منظمة تفتيش مستقلة أخرى، فلا يمكننا اعتبار هذا المصطلح مؤشرا موثوقا بالضرورة لمنتج آمن و"أخضر".  فلا توجد طريقة يمكننا بواسطتها ضمان أن المنتج قد زرع دون مبيدات كيميائية أو أنه لا يحوي كيماويات ضارة.
وفي الحقيقة، بحسب المواصفات العلمية المتعارف عليها، لا يوجد حتى الآن تعريف متفق عليه لمصطلح "عضوي" في مجال مواد التجميل، منتجات العناية بالجسم، ومنتجات العناية الشخصية.  لكن التعريفات السائدة تتعلق بشكل أساسي بالمنتجات الزراعية.

"منتجات خالية من الروائح والمضافات الكيميائية"

تعبير "خال من الروائح" المكتوب على سلعة ما قد يكون مخادعا؛ فالمقصود بهذه الجملة التجارية العامة أن المنتج لا يحوي رائحة اصطناعية.  لكن، بحسب إدارة الغذاء والدواء الأميركية (FDA) لا يوجد تعريف قياسي موحد يحكم استخدام تعبير "خال من الروائح".  كما أن المُنْتَج المدموغ عليه تعبير "خال من الروائح" قد يحوي روائح كيميائية اصطناعية تهدف إلى التغطية على رائحة كيميائية (ربما كريهة) لمكونات أخرى في ذات المنتج.  لذا، علينا الحذر من هذا الزعم، وبخاصة حينما لا نستطيع تجنب جميع المواد السامة التي نعتقد باحتمالية تواجدها في المنتجات الغذائية أو الزراعية في الأسواق. 
     

"مضاد للحساسية"

يعتبر هذا الزعم عاما، ويقصد به أن السلعة لا تتسبب في تفاعلات تثير الحساسية.  الحقيقة أن لا وجود لتعريفات علمية أو مواصفات قياسية رسمية تحكم استخدام مثل هذا المصطلح.  وفي غياب مثل هكذا تعريف أو مواصفة لا يمكننا الجزم بأن السلعة آمنة من هذه الناحية.

"مستدام"

الأمم المتحدة تعرف هذا المصطلح كما يلي:  "تلبية احتياجات الحاضر دون المساس بقدرة الأجيال المستقبلية على تلبية احتياجاتها الخاصة".  وغالبا ما يستخدم تعبير "مستدام" لوصف الممارسات الزراعية أو إدارة الغابات التي لا تسيء للبيئة وللنظام الإيكولوجي.  يجب التعامل بحذر شديد مع هذا المصطلح المدموغ على سلعة ما، لأنه أصبح، في المستوى التجاري، تعبيرا مستهلكا لا معنى له.  ولإضفاء المصداقية على هذا المصطلح، يفترض تعزيزه بشهادة طرف ثالث علمي مؤهل ومستقل.

"متعادل كربونيا"

لا يعني هذا المصطلح بأن إنتاج السلعة لم يؤد إلى انبعاثات كربونية، بل إن الشركة المنتجة تعمل على تعويض الكربون الناتج من نشاطها الصناعي، من خلال استثمارها في الطاقة المتجددة.  هذه بلا شك خطوة جيدة، لكن يجب أن ننظر إلى الصورة الكبيرة والشاملة؛ فالمياه المعبأة في عبوات و"المتعادلة كربونيا"، على سبيل المثال، لا تزال تتضمن جميع المخاوف البيئية والصحية المألوفة في المياه المعبأة في قناني عادية قديمة.  برامج "التعادل الكربوني" غير خاضعة بعد لعملية تنظيمية واضحة، ولا تعمل جميعها بشكل متساوٍ.

"جميع منقيات الهواء تنظف هوائك"

رغم وجود أجهزة لتنقية الهواء ذات جودة جيدة في الأسواق، وتقوم بعمل جيد لتعقيم الهواء؛ إلا أن من الضروري التنبه إلى أن جميع المنقيات "الأيونية" تطلق غاز الأوزون.  ومن المعروف علميا أن استنشاق غاز الأوزون قد يتلف الرئتين.  بل إن كميات منخفضة نسبيا من هذا الغاز قد تتسبب بألم في الصدر، السعال، ضيق في التنفس وتهيج في الحلق.  وقد يفاقم الأوزون أمراض الجهاز التنفسي المزمنة، مثل الربو، علاوة على إضعاف قدرة الجسم على مكافحة أمراض الجهاز التنفسي المعدية. 

"ملطّف الجو ينقي الهواء"

تفيد وكالة حماية البيئة الأميركية بأن معظم ملطفات الجو تحوي أربعة مكونات كيميائية:  فورمألدهيد، مشتقات بترولية، ثنائي كلوروبنزين (p-dichlorobenzene) والإيروسول (جسيمات دقيقة).  لكن الحقيقة أن ملطفات الجو يمكن أن تصنع من نحو 3,000 مكون كيميائي اصطناعي.  كما أن منتجي هذه السلعة غير ملزمين بذكر قائمة المكونات على بطاقة البيان، بل إنهم يستخدمون تعبيرا عاما: "معطّرات".  إن رش السموم في الجو لا ينقيه بالتأكيد؛ علما أن العديد من هذه الكيماويات لا تستهدف الهواء بحد ذاته، بل قدرة أنوفنا على الشم.  بينما تعمل كيماويات أخرى على إخفاء الرائحة الموجودة واستبدالها برائحة أخرى.

"قابل للتحلل الحيوي ومفيد لكوكبنا الأرضي"

خلافا لما يعتقده الكثيرون، فإن جميع المواد تتحلل بيولوجيا في مرحلة ما، بما في ذلك الأشياء التي تعتبر، دون جدال، سيئة للبيئة.  فقناني البلاستيك على سبيل المثال، قد يستغرق تحللها حتى 500 سنة، بينما تحلل الحفاظات قد يستغرق نحو ألف سنة.  بكلمات أخرى، إن كون منتج معين قابل للتحلل البيولوجي لا يعني بأنه صحي وآمن لنا ولبيئتنا.  فعلى سبيل المثال، مبيد "دي دي تي" (DDT) يتحلل إلى مركبين: DDD وDDE  اللذين يعتبرا أكثر سمية وخطورة من المادة الأصلية (DDT).
وبالطبع، العديد من المنتجات التي تسوق باعتبارها قابلة للتحلل تتضمن زعما آخر يقول بأنها "خضراء"؛ فهنا أيضا يجب أن نكون حذرين من هذه التسمية بحد ذاتها، والتي يقصد بها بالعادة، أن السلعة وغلافها سيتحللان خلال فترة قصيرة.
على أي حال، تعبير "قابل للتحلل" لم يتم تعريفه حتى الآن وتنظيم التعامل معه بشكل كاف، ليصبح ذو معنى.  وبالإضافة للمواد العضوية في كومة الكمبوست التي هي قابلة للتحلل بالتأكيد، فإن كل الأشياء قابلة للتحلل عمليا، إذا ما منحت الوقت اللازم والكافي، أو إذا ما بقيت لفترة مناسبة وطويلة تحت أشعة الشمس؛ لذا، يمكن بسهولة الزعم بأن السلعة "قابلة للتحلل" دون اقتراف خطيئة الكذب بالضرورة.     

"دهان خال من المواد الكيميائية والمركبات العضوية المتطايرة"

المركبات العضوية المتطايرة (VOC) تلوث الهواء وتؤذي الجهاز التنفسي والذاكرة.  وكلما ازداد وعي الناس لهذا الأمر كلما ازداد عدد شركات الدهانات التي تسوق منتجات تزعم بأنها تحوي "صفر VOC".  لكن يجب أن نتذكر بأن "الصفر" ليس بالضرورة حقيقيا.  المواصفات الحكومية الأميركية الفدرالية تقول بأن الحد المسموح به لهذه المركبات هو 250 غم/لتر للدهانات المسطحة، و380 غم/لتر للدهانات الأخرى.  إلا أن بعض الولايات الأميركية خفضت أكثر مستويات VOC المسموحة للدهانات.  فعلى سبيل المثال، المواصفات في ولاية كاليفورنيا هي: 150 غم/لتر للتشطيبات غير المسطحة و100غم/لتر للمسطحات؛ بل وأقل من ذلك (50غم/لتر) في منطقة لوس أنجلس.  بكلمات أخرى، "صفر" يعني قياسا مبالغا به.

واخيرا، يجب أن نتذكر بأن معرفة أنوفنا ليست هي الأفضل دائما.  فالدهان "متدني الرائحة" و"منخفض أل VOC" قد يتم إخفاء رائحته الناتجة عن أبخرة  VOC من خلال إضافة مواد كيميائية.  بل إن الدهانات المزعومة بأنها "خضراء" قد تحوي بعض المكونات السامة مثل "الطولوين"، الأمونيا، "فثالات"، معادن ثقيلة واستيرات الجليكول.
ورغم ذلك، يفضل شراء الدهانات ومواد التشطيبات المدون عليها " VOC منخفض" أو "خال من VOC".  لكن، يجب الأخذ بجميع التحذيرات الاعتيادية أثناء عملية الدهان.  كما يجب تهوية المكان الذي يتم دهانه وأن يكون خاليا من الأطفال والنساء الحوامل.

"الشموع المصنوعة من الزيوت العطرية تحوي روائح طبيعية فقط"

بعض منتجي الشموع يزعمون بأن الروائح الطبيعية لشموعهم مصدرها الزيوت العطرية، إلا أن شموعهم قد لا تحوي سوى نقطة زيت واحدة، بل وقد تكون تلك النقطة مخففة أيضا بروائح اصطناعية أخرى.  منتجو الشموع غير ملزمين قانونيا بأن يعلنوا عن مكونات منتجاتهم، ما يعني أننا لا نستطيع معرفة ماذا نتنفس فعليا حين إشعالنا للشموع.  وفي الحقيقة، كلمات مثل "روائح" أو "رائحة عطرية" في قائمة المحتويات، غالبا ما تخفي مئات المواد الكيميائية الخفية.
بل حتى لو تم تعطير الشموع البَرافينية العادية بالزيوت العطرية، فإنها تبقى شموعا نفطية تلوث هواءنا أثناء اشتعالها.  بدائل هذه الشموع النفطية يتمثل، على سبيل المثال، في شموع النحل أو الصويا غير المعطرة أو التي استخدمت في تصنيعها زيوتا عطرية 100%.

"آمن وخال من BPA"

تستخدم مادة Bisphenol A (BPA) في عبوات المواد الغذائية والمشروبات الخفيفة والعبوات البلاستيكية الخاصة بتخزين الأغذية؛ وقد تتواجد في قناني الأطفال.  وقد تتسبب هذه المادة بعدد كبير من الأمراض السرطانية، كما تؤثر على عمل الدماغ وتتسبب في تغيرات هورمونية لدى الأطفال والبالغين.  وبما أن معظم أنواع البلاستيك قد تتسبب بخلل في الجهاز الهورموني، فيفضل محاولة الابتعاد قدر الإمكان عن استخدام البلاستيكيات.

خلاصة القول، لا بد من تمكين وتحصين أنفسنا بترسانة من المعرفة، كي نتمكن من الشراء والتسوق بأمان وحكمة لصالحنا وصالح أطفالنا وأسرنا.  فعلى الرغم من أن العديد من الشركات تذهب إلى أبعد الحدود لتقديم سلع ذات مكونات استثنائية، إلا أن بعض الشركات تستغل، في نهاية المطاف، سذاجة وجهل العديد من المستهلكين، وتستنفذ الوقت الطويل وتنفق الأموال، للترويج التجاري والتسويقي لزعمها القائل بأن سلعها صحية، دون أن تعزز مزاعمها بجهود علمية-مهنية مماثلة. 
في الختام، وعند الحديث عموماً عن أسواقنا الحالية الغارقة في أساطيل هائلة من الدعايات والإعلانات التجارية المغرية والجذابة والمثيرة، لا يمكننا الحكم على سلعة ما، بالاعتماد فقط على التغليف والمظهر الخارجيين.

 

خاص بآفاق البيئة والتنمية

التعليـــقات

جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء