نورلين.. ضحية "تقصير طبي" جديد، حبيسة البيت، لا علاج ولا تعليم

الإثنين | 15-05-2017 - 02:45 مساءً

رام الله- وطن للأنباء- رولا حسنين: ما يميز الطفل هو حيويته وحركاته العفوية التي قد تزعج ذويه أحياناً، فهو لا يهدأ، قفزاً وضحكاً ليثير حوله اجواء من المرح والبهجة والفرح.. هذا كله مفقود في منزل مروان سمامرة، فالكآبة تحيط بطفلة لم تكمل بعد عامها الثالث، والسبب "التقصير الطبي". 

نورلين مروان سمامرة ابنة الأربعة أعوام باتت حبيسة منزل عائلتها منذ طفولتها، وحبيسة علاج مستمر لا ينقطع.

ولدت نورلين في مستشفى المقاصد بالقدس المحتلة عام 2013، بتشوه خَلقي في المريء "نقص بطول 6 سم" ، الأمر الذي استدعى والدتها للبقاء في المستشفى ومعالجة طفلتها نحو عام كامل، غابت فيه والدتها عن طفلها يحيى ومنزلها في رام الله، ولم تغادر " المقاصد في القدس"  خلال العام الا 4 أيام متقطعة، كانت تعود لمنزلها لتروي ظمأ شوقها لطفلها يحيى، ثم تعود لمرافقة نورلين من جديد.

بعد عام، أبلغ مستشفى المقاصد عائلة نورلين بعدم القدرة على ابقائها في المشفى حيث لا يوجد طاقم لجراحة الاطفال، اذ ان الطاقم  الذي كان يشرف على حالة نورلين انتهى عمله، فاضطرت العائلة لأن تلجأ الى مستشفى رام الله بعد حدوث خلل في السلك الغذائي "الكاستروستم" الممتد الى معدة نورلين، والذي اعتمده المقاصد لتغذية الطفلة، وبدأت سلسلة التقصير والاهمال الطبي للطفلة نورلين.

تلاقفتها المشافي وغاب طبيبها
يقول مروان سمامرة  والد الطفلة نورلين لـ وطن للأنباء، إن نورلين مكثت نحو 3 ساعات في مستشفى رام الله، تنتظر طاقم جراحة الاطفال لتدارك حالة الخلل في السلك الغذائي، علماً أن مستشفى المقاصد كان قد أوعز لعائلة نورلين بضرورة معالجة سريعة لأي خلل يطرأ على السلك الغذائي، بوقت لا يتجاوز الساعة.

ونتيجة انتظارها لنحو 3 ساعات، الامر الذي تسبب بتضييق للجرح الذي يصل السلك الغذائي بالمعدة بدلاً من المريء، وعندما استنجد والدها بطبيب جراحة الاطفال كي لا  يسوء وضع طفلته، سأله طبيب "في اي مستشفى كنت تعالج طفلتك؟ فأجابه الأب "المقاصد"، فرد الطبيب بتهكم وفق ما قال مروان "رجعها على المقاصد"!.

اضطرّ مروان لنقل طفلته نورلين الى مستشفى الهلال الأحمر، واتصل بالطبيب الذي كان يشرف على حالة طفلته في المقاصد وطلب منه أن يحضر الى الهلال لمعاينة حالتها، بصورة انسانية، ونتيجة لمرور الوقت كان الجرح على المعدة قد تضيق أكثر مما أدى الى استبدال السلك الغذائي بآخر أصغر منه لا يفي بغرض الأكل وشرب الحليب.

لاحقاً.. تعرف مروان على جمعية اغاثة اطفال فلسطين، وعرضت الجمعية طفلته على وفد طبي أمريكي كان في زيارة ميدانية للضفة، وزار مجمع فلسطني الطبي، خَلُص الوفد الأمريكي الى أن حالة الطفلة لا يمكن علاجها في  مستشفى رام الله، لعدم توفر التجهيزات اللازمة لذلك، وأوعز رئيس الوفد بضرورة ارسالها  الى أحد مشافي الولايات المتحدة لعلاجها على نفقة الجمعية، الأمر الذي استدعى تقريراً طبياً من طبيب جراحة الاطفال في مستشفى رام الله.

الطبيب اعاق نقلها للولايات المتحدة
طلبت القنصلية الامريكية ورقة من الطبيب الفلسطيني الذي رافق الوفد الطبي الامريكي في زيارته، ولكن الطبيب رفض التعامل مع الامر رغم طلب جمعية اطفال اغاثة فلسطين تقريراً من الطبيب ذاته، وتعلل الطبيب بأن مستشفى رام الله قادر على استيعاب حالة الطفلة وعلاجها، رغم أن الوفد الامريكي تحدث عن عدم وجود امكانيات طبية لعلاج الطفلة وكتب في ذلك تقريراً واضحاً تمتلك العائلة نسخة عنه، وبعد تدخلات عديدة كتب الطبيب التقرير قبل موعد تقديمه للقنصلية لطلب سفر الطفلة بساعات قليلة، وكانت المفاجأة للعائلة أن التقرير ليس كما تريده الجمعية والقنصلية، ولا يفي بالغرض ابداً، ويضيف مروان "لا أعلم سبب امتناع الطبيب عن تقديم تقرير يفيد غرض سفر الطفلة، رغم أن علاجها لن يكون على حساب السلطة الفلسطينية او أية جهة حكومية"، ما استدعى والد الطفلة الى التوجه الى رئيس مجمع فلسطين الطبي الذي تعاون بدوره مع العائلة وقدم لهم تقريراً يفي بغرض سفر نورلين للعلاج.

وخلال فترة انتظار نورلين ووالدتها للحظة السفر، ساءت حالة نورلين حيث أصبحت تعاني من هزل كبير وارتفاع في درجة حرارتها، وهبوط متتالٍ وسريع في وحدات الدم، ما استدعى العائلة لنقلها الى مستشفى الهلال الذي بدوره اعتذر عن استقبالها لعدم قدرته على تشخيص حالتها، ثم نقلت العائلة نورلين الى مستشفى رام الله، وعلى مدار 3 أيام انخفض دم نورلين من 11 وحدة الى 6 !.

يشير مروان لـ وطن للأنباء إن طبيبة في قسم الباطني في المستشفى عاينت نورلين، واجرت لها صورة أشعة تبين ان طفلته تعاني من نزيف في المعدة بسبب السلك الغذائي "الكاستروستم"، وقالت الطبيبة لمروان "على طبيب جراحة الاطفال معاينتها"، ويضيف مروان أنه مضى يومين "خميس وجمعة" آخرين على طفلته وهي ترقد على أسرة مستشفى رام الله دون معاينة، وصباح اليوم التالي دخل طبيب جراحة الاطفال برفقة طبيبة الباطني على القسم التي تتواجد فيه نورلين وعاين اطفال، وعندما طلبت طبيبة الباطني منه معاينة الطفلة نورلين اعتذر عن ذلك دون تردد ودون مبرر، وفق ما صرّح به مروان سمامرة.

وفي اليوم الذي يليه –وبهذا تكون نورلين قضت 5 أيام في مستشفى رام الله- عاين رئيس قسم الجراحة العام حالة نورلين، وأكد أن النزيف سببه تقرحات في معدة الطفلة والتهابات حادة وتهيج  في منطقة السلك الغذائي "الكاستروستم"، وأوعز للعائلة باعطائها بعض الأدوية المسكنة.

16/10/2015 سافرت نورلين ووالدتها الى الولايات المتحدة، وخضعت لعملية توصيل المريء بالمعدة في مستشفى فلادلفيا للأطفال، بمتابعة رئيس الوفد الطبي الامريكي الذي زار مستشفى رام الله وعاين حالة نورلين، ونجحت العملية بصورة كبيرة وطرأ تحسن كبير جداً على حالة الطفلة نورلين، وخضعت لعمليات توسعات للمريء بصورة متتالية وفق برنامج/ خطة علاجية تقتضي اجراء عملية توسعة كل أسبوعين، ووصل مساحة توسع المريء لدى نورلين 36 فرنش (FR)  وفق التقرير الطبي الذي قدمته المستشفى لوالدة نورلين التي مكثت مع طفلتها نحو 6 أشهر في مستشفى فلادلفيا.

الامريكان تبرعوا بجهاز لعلاجها والاطباء اساءوا استخدامه
يقول مروان في حديثه مع وطن للأنباء إن جمعية أطفال اغاثة فلسطين، أخبرته بأن المستشفى الأمريكي بالتواصل مع الجمعية زوّد مستشفى رام الله بجهاز طبي خاص لاجراء عمليات التوسعة في المريء، وبناء على ذلك تقرر عودة الطفلة نورلين الى فلسطين واكمال سلسلة العلاج في مستشفى رام الله، وعادت في نهاية شهر أذار 2016، وكانت توصيات لطبيب قسم جراحة الاطفال في مستشفى رام الله بضرورة متابعة حالة نورلين لاتمام علاجها بشكل طبيعي.

وفعلاً جرت أول عملية توسعة للمريء بتاريخ 12-4-2016، والثانية بتاريخ 3/5/2016، ولكن تقرير التوسعة يشير الى انخفاض في نسبة توسع المريء، فبعد أن وصل 36 في فلادلفيا، انخفض لـ 30 بعد عمليتي توسعة، وبدأت سلسلة الاهمال والتقصير الطبي تتجلى، حيث أجرت عملية توسعة أخرى بعد شهر بتاريخ 31/5/2016 غابت نسبة التوسعة عن التقارير فيما بعد، والعملية التالية بتاريخ 16/6/2016 وهنا كان توسع المريء انخفض لـ 28 فرنش (FR)، نتيجة تباعد موعد العمليات، وعدم الالتزام بالخطة العلاجية التي أقرها مستشفى فلادلفيا، ثم انقطعت العمليات لتتم أخرى بتاريخ 11/8/2016 أي بعد شهرين، وأخرى بتاريخ  29/11/2016 أي بعد 3 أشهر، والمفاجأة كانت أن التوسعة الأخيرة كشفت أن "المريء مغلق"!.



خلال هذه الفترة توجد أوراق تؤكد حصول والدة نورلين على مواعيد لاجراء عمليات توسعة، وعندما كانت تتوجه لاجراء العملية كان يتم تأجيلها بشكل متكرر، بطلب من الطبيب!.

حاول مروان والد نورلين فهم طبيعة حالة طفلته بعد ان أخبره الطبيب بأن المريء مغلق، فليس من المنطقي بعثرة مجهود العمليات في أمريكا بسبب تقصير، وتحدث معه حول تقصيره في اجراء عمليات التوسعة المبرمجة لطفلته، فرد عليه الطبيب "ما في دكتور في العالم كله بملي عليّ شو أعمل"،  وادعى الطبيب حينها أن والد نورلين حاول الاعتداء عليه واستدعى الشرطة، فيما شهد أحد حرس المستشفى وشهود عيان آخرين على أن والد الطفلة لم يتعرض للطبيب قطعاً، الامر الذي أفشل محاولة الطبيب تخليص نفسه من تقصيره الطبي تجاه الطفلة عبر رفع قضية اعتداء كاذبة، وفق ما قاله مروان لـ وطن للأنباء.

خرجت نورلين من مستشفى رام الله دون حتى معاينة طبية، واكتفت احدى الممرضات باعطاء العائلة امر الخروج، ثم ساءت حالة نورلين وأصبحت تتقيأ الدم وارتفعت درجة حرارتها، فاضطرت والدتها الى نقلها الى مركز الشافعي وأجرت تصوير اشعة لحالة طفلتها، ليتضح فيما بعد أن  التقصير الطبي لم ينحصر في  انغلاق تام للمريء، إنما اتضح عبر صورة الأشعة أن آخر عملية توسعة تعرضت لها الطفلة تسبب لها الطبيب بجرح في المريء تجاه الرئة اليمنى، الأمر الذي أدى الى تسرب الحليب واللعاب والسوائل الى الرئة، ما أدى لحدوث التهاب في الرئة وعجز عن العمل بنسبة 50%، وفي ذلك استشارات طبية وصورة أشعة توضح الأمر.

توجه مروان لأحد الاطباء لاستشارته في كيفية علاج طفلته بعد أن اغلق المريء، ونصحه الطبيب بالتوجه الى مستشفى خاص، الأمر الذي عجز عنه مروان نتيجة ظروفه الاقتصادية الصعبة، وعندما حاول الحصول على تحويلة طبية لادخال طفلته الى أحد المشافي المختصة لاستكمال علاج طفلته، امتنع الطبيب الذي اشرف على عمليات التوسعة الفاشلة لنورلين في مستشفى رام الله عن تقديم تقرير طبي لغرض الحصول على التحويلة الطبية، وتدخل في ذلك وزير الصحة وأحد نواب المجلس التشريعي ولكن دون جدوى، والرفض مستمر.

وحالياً تزن الطفلة نورين  9 كغم فقط وهي في الرابعة من عمرها، تعتاش على الحليب الخاص الذي يرهق كاهل والدها بشرائه لغلاء سعره، عدا عن رفض مراكز رياض الأطفال استقبالها لعدم قدرة اصحابها  على تحمل مسؤوليتهم تجاه الطفلة التي تتناول الأدوية الكثيفة باستمرار، ولا تتناول الطعام كما بقية الأطفال، نورلين تحرم من العيش الطبيعي والتعليم أيضاً، نورلين تقضي الأيام برفقة والدتها التي أضحت حبيسة منزلها لترعى حالتها  فقط.

ويحمل مروان سمامرة والد الطفلة نورلين وزارة الصحة وكل مَن له القدرة على المضي في أمر الحصول على تحويلة طبية لعلاج ابنته في أي مشفى قادر على علاجها، ويطالب الجهات المختصة بالتدخل لانقاذ حياة طفلته.

"تتحفظ وطن للأنباء عن نشر أسماء الأطباء، بينما لديها كافة الأوراق والتقارير التي تثبت ما تعرضت له الطفلة نورلين على مر عامين من التقصير والاهمال والتعنت الطبي غير المبرر".

 

التعليـــقات

جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء