طفحوا الكيل

الأربعاء | 17-05-2017 - 11:53 صباحاً

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

كتبت: دعد صيرفي

صبية يطوفون زقاق المخيم يغنون ويقرعون أوعية معدنية بعصي جمعوا بعضها وابتكروا بعضها الاخر.. " يا رب تشتي ... واروح عند ستي .... تعملي فطيرة .. قد الحصيرة ...  اكلها وانام واصبح جوعان".. يستيقظ والدي من قيلولته التي استرقها عقب نهار عمل مدرسي حافل بالطلاب وغبار الطباشير اللحوح على الاصابع ولغة اجنبية يحاول جاهدا تعليمها لهم خوفا عليهم من وحشة درب قد يضطرون للمرور عبره في بلد اجنبي.. هم من يتقنون لغة الاحلام والعصافير والاسئلة الخارجة عن سياق الكتاب المدرسي.. منذ تسعة وستين عاما والصغار يولدون هنا ويبتسم المخيم لهم ويكبر "متعربشاً" أحلامهم وأسئلتهم تلك.

هناك.. صبية يركضون يحمل كل منهم دلوا معدنيا او بلاستيكيا معاد استخدامه يتسابقون نحو "حنفية الوكالة"، يحجز كل منهم دورا ما تبعا لترتيب وصوله بين الاولاد.. وقد تبيت بعض الدلاء ليلتها مصفوفة في العراء تنتظر فتح ذاك الصنبور صباح اليوم التالي، بعض الفتية يحملون ما يسمى " الحمالة " مكونة من دلوين معلقين على حافتي عصا قوية يحملونها على اكتافهم، فهم بذلك سيكسبون بالوقفة ذاتها دلوين عوضا عن واحد.

يتعثر والدي في خطواته تلك التي كان يتعجلها عائدا من هناك ليملأ برميل حوش غرف الوكالة ويعود ليصطف في دوره من جديد.. تسقط الدلاء من على كتفيه وينسكب الماء منها على طرقات غير معبدة ليستحيل التراب الى طين ولبص.. يقف ليعيد ترتيب هندامه البسيط ويحمل الدلاء من جديد مطيلا تلك العملية ليسترق السمع الى حديث جارتهم ام محمود التي كاد زوجها يلقي عليها يمين الطلاق بسبب نسيانها حجز دور في ذاك الصف اثر انشغالها بحديث جاراتها حول موعد توزيع مؤن متوقع.

هناك أيضا، في حرب ما .. اتعمد عدم ذكر زمانها او مكانها رغم معرفتي التامة بكل تفاصيلها، لكني تعمدت ذلك كون جميع الحروب هي سواء على ارض الواقع، ففي نهاية المطاف هي معارك فقاقيع صابون كبيرة يدفع ثمنها صغار لم ينجوا بعد من حيز الطفولة.. في تلك الحرب.. كانت الامهات هن من يقفن في صف طويل في انتظار "ربطة " خبز يحدد كميتها عدد افراد الاطفال المرافقين لهن.. هن الامهات ذاتهن اللواتي يصررن على وضع حفنات من الزعتر والميرمية في حقائب ابنائهن المسافرين كتميمة يطمئنن اليها ويطمحن من خلالها الى ضمان عودة ابناء اشقياء لا يحسبون شوق الامهات بمكاييل من لحظات ودموع خفية محتجزة.. كانت امي تصطنع تعدد الاسر.. تحمل في دورها الاول اختي الصغرى دوننا وتذهب لتعود بربطة الخبز الأولى ومن ثم تبدل ثيابها وتحمل اخي الصغير الذي يكبر تلك الاخت بما يقارب العام لتعود من جديد بربطة خبز اخرى تسد بها شيئا من جوع ابناء لها سيكبرون ويغادرون حجرها العابق برائحة تمائم الزعتر والميرمية تلك.

هناك.. ذات شتاء رطب بأرضيات دبقة.. طال فيها صف الكيل ذاك وغاب عنها اصحابها في نوم يقرصه برد كانون المتسلل من جدران طوب وباطون مؤقتة..كان قد سمع الصغار بنقمة الغالبية على المخيم وشتمه كأنما هو بقعة زيت لوثت ثوبا جديدا لمدن تصطنع ارستقراطية مبالغ في دلالها فهي كمن كذب الكذبة وصدقها.. حتى ان البعض توعد المخيم بحفر خندق حوله واحراقه بكل ما ومن فيه بعد عجزهم عن حل معضلته وقضيته!! المسألة سهلة وبسيطة تشبه حل مسألة 1+1 =2 لكن العلوم الحديثة اضافت تعقيداتها الى تلك المسألة لتتعدد احتمالات الاجوبة ويفقد الرقم 2 حقه في الصواب المطلق.. كان درس الحساب هذا معقدا وقاسيا لاؤلئك الصغار الذين خرجوا من الصف المدرسي يجوبون الزقاق ويقرعون الأوعية: "يا رب تشتي واروح عند ستي..." عقب خشيتهم مما سمعوه!

لا شيء هنا يدور في رأسي الا قصصه عن تلك الدلاء وعن حذاء كان ينتعله فغاصت فردته في الطين ليعود الى امه "بخف حنين واحد" وليتمنى اثر ذاك سقف المخيم كاملا بالزينكو ليحمي رصف الازقة من البلل وفقدان الاحذية وبكاء اخر الليل الذي ينفجر حين تغط المدن في نومها ولا تعي سر بكاء صغارها.. يكتم المخيم صوته خشية على فرح المدن الكبرى من التلف.. حتى اصبح بلا صوت فقد اخرسوه بكرت مؤن و"بقج" مونة شحت حتى انقطعت وفرطت ووقع منها كل شيء بعد ان ضاقت على المخيم الذي كبر فجأة في جفاف حواشي ليل المدن الصاخبة.. باتت الاشياء تحدث فيه "عالساكت متل جنازة الفقير.. الا الشتا فيه مش عالساكت!! دايما بيصحي الصغار وهو ينقر سطح الزينكو.. يا رب تشتي خلي المخيم كله يصحا.. بلكي الصغار بيتفرجوا عالشتا والكبار عالعرس الديموقراطي!!"

يستمر الصغار بالغناء وترنيم تلك الكلمات.. يخرجون الى الشارع الرئيسي المحاذي للمخيم ويسيرون نحو المدينة.. يطل الناس من ابواب بيوتهم وبعض النسوة يتركن تقطيع الخضار واللحوم ويسترقن السمع بعيون مستغربة ذاك الصوت .. يتساءلون: "ماذا يريد هؤلاء الفتية منا بعد 69 عاما؟! ألم يكفهم قوت كرت المؤن وبيوت بلا ضرائب ولا رسوم خدمات مدنية؟!" يعلو صوت الصغار اكثر: "يا رب تشتي..." ، " ماذا يريدون؟ فليرحلوا قبل ان يوقظ صراخهم أزواجا لنا نائمين فيغضبوا ويلعنوا أباء اخرين".. تمطر سماء المدينة ربما استجابة لترنيمة أؤلئك الصغار.. فيعلو صوت ما من حنجرة تسير في نهاية المسيرة: "الكيل الكيل.. طفحوا الكيل.." يلتفت الصغار الى الخلف ويركضون عائدين الى صفهم الطويل من الانتظار لفتح المياه عبر "حنفية الوكالة" وما حاجتهم لها الان وقد امتلأت الدلاء والبراميل في الاحواش !! يعود كل منهم الى بيته والكل ينصت لصوت قطرات تقرع خزان اسقفهم.. وحدها دجاجات جدتي هي من يكسر صمت تلك اللحظات.. لتلكز جدتي غفوتي صارخة في وجهي: "الجاجات يا ستي بيصوتن شكلهن باضن قومي جيبي البيضات بلكي سكتن" أنهض هنا على شعور لكزتها لكتفي يهز رأسي والمخيم كما عجزي عن الوصول الى "خم" دجاجاتها على سطح بيتنا هناك!

التعليـــقات

جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء