تعليم لاجل العمل ام استغلال قوى بشرية معطلة؟

الأحد | 16-07-2017 - 10:30 صباحاً

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

 كتب جبريل محمد: اتوقع ان تلقى افكاري التي اطرحها هنا، رد فعل سلبي، لانها غير نمطية، فالقانون السائد اليوم يقول هو ان تعدل برامج التعليم العالي لتتوافق مع سوق العمل المحلي، انا هنا اعارض الفكرة من ناحية ان السوق يجب ان يفرض نوع المعرفة والتعليم في البلد، بمعنى ان التعليم ليس بالضرورة ان يلهث وراء السوق بل ان يكون تعليما يحقق المعرفة في ضوء حاجات المجتمع التنموية وليس حاجات السوق القائم والذي دمر العملية التنموية، ربما تكون الفكرة خارج عملية التعليب المحكمة السائدة في البلد، لكنها على الاقل فكرة  يمكن نقاشها،فاذا سادت البطالة بين المحامين والصيادلة والمهندسين وحتى الباحثين عن وظائف في التعليم واكتفت الشركات من فيض خريبجي الادارة والتسويق، فهل يعني اننا كنا نهدر اموالا واعمارا في تعليم لا طائل منه ولا يفتح بوابة عمل شريف؟

السوق صغيرة نعم، الموارد محدودة، نعم، لكن الحل ليس في النشبج المستمر حول البطالة بين الخريجين وحول سياسات الاحتلال الالحاقية والمدمرة للاقتصاد الوطني، بل الحل هو في اعادة هيكلة الاقتصاد الوطني خارج شروط المؤسسات الدولية المانحة والتي اسهمت في تخريب كل مبادرة تنموية في البلد، لتوصلنا الى مرحلة من الانهاك بات المجتمع فيها مستعدا ان يقايض لقمة العيش بالكرامة والحرية الوطنيتين.

هل هي فقط جريمة الاحتلال والمؤسسات الدولية المانحة، ام ان التحالف بين البيروقراطية الحكومية العاجزة والفاشلة والمستفيدة، وبين الرأسمالية الطفيلية غير المنتجة والتي اسهمت في نشر الاستهلاك على حساب الانتاج والمضاربة والربح السريع والانتفاخة العقارية على حساب مداخن المصانع او خضرة المزارع او حتى رائحة روث الحيوانات التي يمكن تربيتها والاستغناء عن الاستيراد؟ ان هذا التحالف هو تحالف لا يضع المقاومة على اجندته، والمقاومة ليست مجرد عمل عنيف بل ان توفير مقومات الصمود هو مقاومة ايضا وضرورية جدا، لكن من تربى على التلقين التكنوقراطي من واضعي السياسات لا يمكن ان يخرج من هذا الكيس المغلق، اما الرأسمال الطفيلي فهو في الاساس عبد للربح السريع مهما كان مصدره ريعا خارجيا او عملية غسيل اموال غير مباشرة في سوق شكلته عقلية اوسلو اللعينة.

لذا يظل الكلام حول ضرورة توافق التعليم مع السوق المشوهة والصغيرة، ايدولوجيا مسمومة، ان هناك ضرورة لتحطيم هذا الصنم، ان لدينا قوى بشرية متعلمة ونوعية بالنسبة لبلدان اخرى وبالتالي علينا ان نعيد صياغة وعي هذه القوى عبر اعادة استزراع القيم الانتاجية اولا، وعبر اعادة صياغة كل برامج التعليم المدرسي وما بعد المدرسي بما يتوافق مع احتيجات المجتمع التحررية الوطنية والتنموية الانتاجية، وليس بما يتوافق مع متطلبات وحاجات البيروقراطية الحكومية عديمة الخيال والابداع وحليفتها الرأسمالية الطفيلية والعقارية الشرهة لاقتناص اي فرصة ربح سريع حتى لو على حساب المسلمات الوطنية.

هذا النظام التعليمي الذي يخضع لشروط سياسية مجحفة ومحددات طبقية لا تتفق مع المصلحة الوطنية لا ضرورة له، هذا الوله بثقافة الوظيفة والياقة البيضاء لا يبني مجتمعا يصمد امام كل سياسات الاحتلال التدميرية.

هذا التشابه بين برامج كل الجامعات بحاجة الى ضبط وتنظيم، وكل ذلك يقول يجب ان يفكك كل نظام التعليم ويعاد صياغته، ويجب لجم هذا الجموح والانفلات للرأسمالية الطقيلية في تخريب الاقتصاد الوطني، حينها لا يصبح الطالب عبدا للسوق التي تفرضها حالة التحالف بين سلطة بيروقراطية متنفعة ورأسمالية طفيلية تهمة وشرسة ومخربة لمقومات الصمود الوطني.

ان تعطيل هذه القوى البشرية، واخضاعها لعملية تشويه في الوعي والثقافة هو المصيبة بعينها، ما دام الامر متروك لسياسات غير مدروسة، ليصبح التوجيهي حالة مهرجانية ولتصبح سنوات التعليم في الجامعات مجرد تأجيل لبطالة قادمة.

التعليـــقات

جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء