قراءة في خطاب الرئيس.. فلسطين التاريخيّة للواجهة من جديد، وفقدان الثقة في المجتمع الدولي

الخميس | 21-09-2017 - 07:45 صباحاً

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

كتب: محمد أبودون

لم يرق للرّئيس الفلسطينيّ محمود عبّاس أن يبقى في ذاتِ المربع الذي يطلُّ منه سنويًا، في خطاباته من على منبر هيئة الأمم المتّحدة، في ظلّ استمرار الإجراءات الإسرائيليّة المفروضة ضدّ الوجود الفلسطيني والتّهديد المستمرّ لحلّ الدّولتين وخيار السلام.

فافتتح هذا العام خطابه بالبناء على ما تحدّث به العام الماضي، مذكّرًا الأمم المتّحدة بطلبه الذي وضعه بين يديها العام المنصرم، وهو أن يكون عام 2017 عام إنهاء الاحتلال، وعلى الرغم من أن الخطاب كان مكتوبًا إلّا أنّ الهوامش كانت مليئة بكلماتٍ ذات دلالات كبيرة.

على غيرِ العادة جاء الرّجل هذا العام بخطابٍ مليء بعلاماتِ الاستفهام، وبدا واضحًا تركيزه على عددٍ من المفردات والتّراكيب، التي أراد من خلالها التّأكيد على مواقفه الثّابتة من قضايا مختلفة، وبرز في الخطابِ أسلوب التساؤل المحرج الذي اتبعه في كثيرٍ من المواضع.

تحدث الرّئيس في خطابه الذي اتسم بصبغته الوطنيّة الفلسطينيّة بحسبِ ما رأى مراقبون، بلغةٍ عاطفية خالصة في بعضِ المَواطِن، فما انفك مذكرًا دول العالم بخيارِ حل الدّولتين، والتّأكيد على أنّه الخيار الوحيد والأمثل لحل الصراع العربيّ الإسرائيليّ، وتطبيق مبادرة السلام العربيّة التي تُعطي لإسرائيل اعترافاتٍ وتطبيع من العديد من الدول العربيّة والإسلاميّة.

وتَعرض عبّاس في حديثه إلى مراحل عملية السلام كافّة مع الجانِب الإسرائيليّ، بدءًا باتفاقية أوسلو مرورًا بمبادرة السلام العربيّة وخارطة الطريق ومؤتمر باريس والمبادرتين الروسية والصينية، وليس انتهاءً بالجهودِ المبذولة من قِبلِ الرئيس الأمريكيّ دونالد ترامب.

ثم تطرّق إلى الخطواتِ الإسرائيليّة المُفشلة لعمليةِ السلام، شارحًا إياها بصيغة التّعجب، ملقيًا اللوم على المجتمع الدوليّ ومجلس الأمن؛ لصمته التّام تجاه هذه الإجراءات المعرقلة  للجهود المبذولة دوليًا؛ من أجلِ إنهاء حالة الصّراع الموجودة.

لفت الانتباه عودة مصطلح فلسطين التاريخيّة للواجهةِ من جديد في خطاب الرّئيس، والذي جاء في سياقِ تأكيده على أنّ الحرية قادمة لا مُحالة، وأنّ الاحتلال الإسرائيلي إلى زوالٍ قريب، وقال: "إما الاستقلال وإما الحقوق الكاملة للجميع على أرض فلسطين التاريخيّة".

في الشأنِ الفلسطينيّ الداخليّ اكتفى أبو مازن بالتّعبير عن ارتياحه من الاتفاق الذي تم التوصل له مؤخرًا في القاهرة، وثمن الجهود المصريّة المبذولة في هذا الاتجاه، ولم تغب غزّة عن الخطاب فردد مشددًا "لا دولة بلا غزّة ولا دولة في غزّة، دولة في غزّة حلم باطل"، وأعلن عن نيته إرسال الحكومة الفلسطينيّة إلى غزّة نهاية الأسبوع القادم؛ لمباشرةِ عملها هناك وفقًا لما تم التوصل له.

وتوضيحًا منه لجوهر الصّراع العربيّ الإسرائيليّ، بيّن أنّ الحرب هي حرب سياسيّة وليست دينيّة، مطالبًا الجميع بالوقوف أمام مسؤوليته لتبقى الحالة على ما هي، وأن لا يتحول الصّراع للجانب الدينيّ وتصبح النتائج غير متوقعة، ووجه التهنئة للشّعب اليهوديِ ؛بمناسبةِ رأس السنة اليهوديّة وكذلك للمسلمين؛ بمناسبةِ رأس السنة الهجريّة، وذلك تأكيدًا على ما قاله.

في جانبِ حل السلطة، لم يُفلت الرّئيس العصاة من يده كما توقع بعض المحللين قبل الخطاب، فاكتفى بالتّلويح بحلها إذا لم تلتزم إسرائيل بما جاء في اتفاقيّة أوسلو، التي كان وجود السلطة نتاجًا لها، وهدد بالذّهاب لخياراتٍ أخرى في حال استمر التعنت الإسرائيليّ، ورغبةً منه في إحراج الجميع، قدم أبو مازن استعراضًا لما تم إنجازه على الأرض من قِبلِ السلطة، في طريق الاستعداد لبناء الدولة وتحقيق الحلم الفلسطينيّ.

بصيغةِ العتاب واللوم ذهب عبّاس للحديث عن بريطانيا ووعد بلفور، مبيّنًا أنّه طلب منها في كل المحافل الاعتذار للشّعب الفلسطينيّ عن هذا الوعد وتقديم التعويضات اللازمة، وأشار إلى أنّها لم تمنح طلباته المستمرة أي اهتمام، وتساءل "كيف تحتفل بريطانيا في العام الماضي بوعد بلفور، الذي سلبت فيه حقنا وأعطته لليهود".

في تساءلٍ آخر للمجتمع الدولي قال أبو مازن: "أين حدود دولة إسرائيل التي اعترفتم بها، إسرائيل لم تقر حدودها بعد، خاصّة أنّ القانون الدوليّ يفرض على الدول تحديد تلك الحدود"، وأكمل متحدثًا عن الازدواجيّة التي يتعامل بها مجلس الأمن مع الدّولِ المختلفة.

وعلى ذاك الأساس دعا الدّول كافّة إلى إنهاء كل أشكال التّعاون المباشر وغير المباشر مع الاستيطان الاستعماريّ غير القانونيّ، واتخاذ الإجراءات اللازمة؛ لوقف هذا التّعاون أسوة لما تم التعامل به مع النظام العنصريّ في جنوب أفريقيا، وطالب بإعلانِ الكشف الأسود للمنظماتِ التي تتعامل بطريقة غير شرعيّة مع الاستيطان.

يبدو أنّ الرّجل تجاوز مرحلة طلب بيانات الإدانة والاستنكار وسئم منها، لينتقل لجانبٍ آخر وهو الحديث بكلِ صراحةٍ عن فشلِ المجتمعِ الدوليّ في تطبيق قراراته، وذَكر العنجهيّة الإسرائيليّة واستعلائها على القوانين الدوليّة، وعدم التزامها بأيٍ من الاتفاقيّات والمعاهدات.

ويُحمل على أبو مازن تطرقه إلى بعضِ العبارات الدينيّة، التي من الممكن أن تُستغل على أنّها عباراتٍ تحريضيّة وردت في خطابه من قبل الإعلام الإسرائيليّ، وكذلك عدم تفرقته بين مقاومة الفلسطينيّة المشّروعة في ظلّ وجود الاحتلال، وبين الإرهاب المرفوض من كلِ القوانين والمواثيق الدوليّة.

كذلك تحجيم المساحة الممنوحة في الحديث عن الشأن الداخليّ الفلسطينيّ والحصار الإسرائيليّ لقطاعِ غزّة المفروض منذ أكثر من عشرِ سنوات، يضاف إلى ذلك حديثه عن أن لا أحد من الفلسطينّيين ينتمى لـ (داعش) وهذا مخالف للحقيقة، حيث أن هناك العشرات من الفلسطينيّين؛ قتلوا أثناء محاربتهم مع تنظيم الدولة.

خطاب الرّئيس خُتم بشكلٍ تقليديّ إجرائيّ، من خلال التّقدم بعشرِ طلباتٍ للأمم المتحدة والطلب منها العمل على تحقيقها، لكن الطاولة قد تقلب في المستقبل القريب، وتتحول الخاتمة من الإجرائيّة إلى العمليّة، إذا ما تحولت الطلبات العشر لمشاريع قرارات، وقدمت للأمم المتحدة على هذا الأساس للتصويت عليها.

في النهاية، نجح أبو مازن بما قدمه من خطابٍ واقعيّ ومنطقيّ في إحراج إسرائيل، ورمي الكرة في ملعب المجتمع الدوليّ، وتحميل كل جهة من الجهات مسؤوليّتها المستحقة عليها تجاه الشّعب الفلسطينيّ وخَتم بقوله: "ردّوا الأمانات لأهلها، فهل أنتم فاعلون".

التعليـــقات

جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء