خالد بطراوي يكتب لـ"وطن": رواد التنوير في فلسطين

الإثنين | 09-10-2017 - 07:22 صباحاً

عن وزارة الثقافة الفلسطينية صدرت في العام 2016 دراسة الاستاذ سعيد مضيه تحت عنوان " روّاد التنوير في فلسطين".

هلوستي هذه، بداية أخاطب بها استاذا ومعلما كبيرا لي في العمل الوطني والطبقي والانضباط الحزبي هو معد الدراسة الاستاذ سعيد مضيه ابن مدينة حلحول، فقد كنت – وما زلت - يا استاذي الكبير أحد رواد التنوير في فلسطين.

تقع الدراسة في 293 صفحة من القطع المتوسط نسبيا تزينها لوحة الغلاف للفنان ليونيد افريموف وتم اختيارها بعناية تحاكي الفكر التنويري، ويتحدث فيها الاستاذ سعيد مضيه عن أولئك "النشامى" من الفلسطينيين الذين حملوا فكر التنوير والعلم في فلسطين حيث يستعرض أبرز اسهامات كل من الاساتذة محمد روحي الخالدي، بندلي الجوزي، خليل السكاكيني، نجيب نصار، خليل بيدس، نجيب عازوري، توفيق كنعان، اسعاف النشاشيبي وكلثوم عوده ( رحمهم الله جميعا).

بداية كان الاهداء، كما خطه الاستاذ سعيد مضيه الى " مدينة القدس، مدينة النور والتنوير، وستعود قريبا مدينة السلام". وفي دراسته استهل الاستاذ سعيد مضيه بدايتها بالقول " ولدت ثقافة التنوير الحديثة في حضن المقاومة، وداخلها تعمدت وصلب عودها" وقد استوقفتني هذه الجملة كثيرا، اذ أنها بالفعل كذلك.

ففي درس للغة العربية في الصفوف الابتدائية من كتابات المرحوم خليل السكاكيني، تعلمت - منتصف ستينات القرن المنصرم-  أنا وأترابي الكثير الكثير، فقد روى قصة صياد يصطاد طائر الحجل، بان ربط طائر حجل في الشباك وكان الطائر يغرد فتتجمع طيور الحجل فيصطادها الصياد، الى أن انتبه لذلك راع للغنم، فقايضه بأن يبدل طائر الحجل المربوط بالشباك بقطيع الغنم برمته، فلما تمت الموافقة بعد مساومة طويلة ابتدأت بنعجة وانتهت بقطيع الغنم، حصل الصياد على القطيع وحصل الراعي على طائر الحجل فأرداه على الفور قتيلا، وعندما سأل الصياد الراعي لماذا فعلت ذلك، كانت أجابته " انه يخون أبناء جنسه".

فكرة تنويرية ومضت لنا ونحن صغار، ربما هي التي كانت مرشدا لنا ومحركا كي لا نعترف في أقبية التحقيق في هذا السجن أو ذاك. قصة جميلة بسيطة مررها لنا الراحل خليل السكاكيني في طفولتنا شكلتنا على ما نحن عليه الان.

قد يتساءل البعض ما الذي يقصده الاستاذ سعيد مضيه بالتنوير؟ لنجد الاجابة في طيات الدراسة حيث يقول " التنوير حركة روحية ميزت مرحلة من النهوض العربي، استهلت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وتواصلت حتى الحرب العالمية الاولى، أو بعد ذلك بسنوات، حين أخضعت الاقطار العربية لحكم الانتدابات بعد صدور وعد بلفور وافتضاح مؤامرة سايكس بيكو، فأدرك المثقفون المنورون ومن تابعوهم واقع الكولونيالية الامبريالية، وانتقلت برسالة التنوير الى ترشيد حركة نهوض شعبي للتحرر القومي".
وأردف الاستاذ سعيد مضيه بالحديث عن التنوير في الفكر واللغة وذكر بأن المنورين قد اعتمدوا أدواتا ثلاثا لنشر رسالتهم التنويرية وهي الحث على افتتاح المدارس أو المبادرة بانشائها، اصدار الصحف والمجلات ونشر الكتب واستحضار الأدب والثقافة القومية والاعتناء بفنون القصة والشعر والرواية والنقد الأدبي. ثم تحدث عن توظيف الأدب في الصراع كذراع لثقافة النهضة.
تحدث الاستاذ سعيد مضيه عن الثقافة الوطنية في فلسطين وكيف اتخذت الكنيسة الارثودكسية موقفا معادية من المثقفين الارثودوكس، ومر بعجالة على بدايات تشكل الحركة المسرحية في فلسطين.

أفرد الاستاذ سعيد مضية فصولا لاستعراض الفكر التنويري لكل من محمد روحي الخالدي ( 1864-1913) وبندلي الجوزي ( 1871- 1942) وخليل السكاكيني (1878-1953) ونجيب نصار (1873-1948) وخليل بيدس (1875-1949) ونجيب عازوري المتوفي عام 1916، وتوفيق كنعان (1882-1964) ومحمد يكتب عنهم اسعاف الناشيبي (1885-1948) وكلثوم عوده ( 1892-1965).

اختتم الاستاذ سعيد مضيه دراسته منوها الى أن " التغيير الاجتماعي عملية معقدة، موضوعها الأساس هو الانسان، ولا يمكن انجاز ثورة اجتماعية دون احداث ثورة في الوعي الاجتماعي، يستحيل احداث تغيير اجتماعي لا تنجزه الجماهير ذات العلاقة.... ".
ما الذي قذفه بحر الظلمات؟ سؤال طرحة الاستاذ سعيد مضيه في دراسته، وهل كنا ندرك فعلا أن كل جهد فردي حتى ولو كان صغيرا كان سيراكم عليه لمواجهة ثقافة الظلام. أشخاص سعوا الى ترسيخ الفكر التنويري في فلسطين، طواهم التاريخ، لم يكتب عنهم كثيرا ولا يتذكرهم الا قلة من بيننا، ألا يستحقون أن يتم جمع اسهاماتهم، انشاء متاحف لهم وتضمين فكرهم ونتاجهم في المناهج التعليمية الفلسطينية على كافة المراحل.

شكرا، استاذ سعيد مضيه وأنا أردد كلماتك " التغيير الاجتماعي عملية معقدة، موضوعها الأساس هو الانسان".

التعليـــقات

جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء