خالد بطراوي يكتب لـ وطن: "معركة الزمن"

الإثنين | 20-11-2017 - 08:03 صباحاً

كنت دوما وما زلت أقول أن الأسير والمريض والمغترب معركته ليست مع السجان وليست مع المرض وليست مع الغربة وانما معركة مع الزمن. وكنا في السجن نقول للمحقق " لن يقفل باب السجن علينا للابد سنخرج على أقدامنا أو محملوين .. لكننا سنخرج .. أحياء أم أموات".

لكنني في هلوستي هذه سأقول لكم أن معركتنا أيضا مع الكيان الصهيوني هي معركة مع الزمن، لكن يبدو أنها ليست في صالحنا حتى الان.

في مئوية وعد بلفور المشؤوم جابت محطات التلفزة والاذاعات شوارع المدن الفلسطينية مستفسرة عن وعد بلفور، البعض أجاب أنه قسم الطبيب عند التخرج فقد اختلط عليه وعد بلفور بقسم " أبو قراط" والبعض الاخر أجاب بأنه قسم المحامي عند تخرجه وخاصة اذا كان يعمل بالنيابة العامة، وفريق آخر أجاب أنه حلف عسكري خالطا بين " وعد بلفور" و " حلف الناتو" وفريق قال أنه "شىء حصل لليهود بعد أن تم تعذيبهم" أيضا خالطين وعد بلفور بالمحرقة، قال غيرهم أنه اتفاق بين الراحل ياسر عرفات واسرائيل.

اذا هي معركة زمن يكسب فيها الكيان الصهيوني التوسعي الاستعماري التاريخ، حيث يتقلص عدد العارفين بوعد بلفور وبالتاريخ.

لو افترضنا أن مواليد عام 1945 ومن ولد قبلهم يتذكرون في طفولتهم وشبابهم أحداث النكبة الفلسطينية عام 1948 فان ذلك يعني أن أقل انسان من بينهم يبلغ من العمر الان 72 عاما. اذا فان من بقي من جيل النكبة على قيد الحياة ويزيد عمره عن 72 هو عدد ليس بالكبير وجزء منهم أما ألم به المرض أو فقد جزءا من ذاكرته.

حاليا في أيامنا ... أصبح فقط المفتاح هو رمز العودة، ففي معظم المناسبات تصور كاميرات الصحافة هذا المفتاح الثقيل لابواب بيتونا التي هجر الجيل الذي قبلنا منها، ويردد الأطفال في كافة المناسبات كلمات أنا من حيفا .. أنا من يافا .. أنا من اللد .. أنا من المسمية وهكذا.

لا يكفي هذا الكم الكبير من الوثائق التي تتعلق بتلك الأحداث التي عصفت بفلسطين، لأن الوثائق تتحدث في معظمها عن التاريخ لكنها تغفل التاريخ الشفوي، فلمن تبقى من الجيل الذي عاش على أرض فلسطين التاريخية ذكرياته بأدق التفاصيل، كيف كانت حياته في مسقط رأسه، من هم جيرانه، سهرات الليل، مواسم الزراعة ومواسم الأنبياء وسوق الجمعة والسيرك المتجول وقصص الهجانة وغيرها الكثير الكثير من الذكريات. وللجيل المتبقي على قيد الحياة وعاش لحظات التهجير ذكريات وذكريات، ولهم أيضا ليس فقط ذكريات التهجير وانما تلك الذكريات ما بعد التهجير، فلن يزول من ذكرياتهم هذا الشريط وقد اقتلعوا من بيوتهم وساحات قراهم ليتم الزج بهم في خيم في مخيمات للاجئين ليحصلوا على أكياس الطحين من وكالة المساعدة الأمريكية، فتحول امهاتهم هذه الأكياس الى سراويل داخلية عليها شعار اليدين الممسكتين بعضها البعض وهو شعار هذه الوكالة.

يتضاءل سنويا عدد الأشخاص الذين عاشوا النكبة، ومع انتقالهم الى الرفيق الأعلى تتلاشى قصصهم وتاريخهم وهذه مهمة كل عائلة بقي لديها أجدادا عاصروا النكبة وما قبلها، فوسائل التكنولوجيا متوفرة تقريبا في كل منزل، وكم يكون جميلا لو يجلس الأحفاد مع أجدادهم يستمعوا ويسجلوا كل كلمة يقولونها وفي ذلك توثيقا لتاريخ شفوي يندثر شيئا فشيئا.

لا أريد أن أتحدث في هلوستي عن المناهج التعليمية ودورها في الحديث عن ذلك كله ليس حفظا وليس امتحانا يكرهه الطلاب وانما تنشئة لجيل يجب أن يدرك أن الكيان الصهيوني يعتمد عنصر الزمن في معركته الوجودية معنا.

اذا كيان الاحتلال ينتظر الزمن، ينتظر التقادم، ينتظر زوال جيل النكبة، فقد زال جيل وعد بلفور وهو نفسه جيل الحرب العالمية الأولى ، وزال جيل ثورة الأعوام 1936 – 1939، وقريبا سيزول جيل الحرب العالمية الثانية ويتبعه جيل النكبة، وعندما نقول قريبا فاننا نعني حقبة زمنية تمتد ما بين 10 الى 15 عاما. وبعد ذلك سيزول جيل العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 ثم جيل حرب الأيام الستة عام 1967 وهكذا دواليك.

مع زوال الأجيال جيلا بعد جيل يتم صياغة جديدة للتاريخ وفقا للرواية الصهيونية بينما نقف نحن ضحايا الفكر الصهيوني الاستعماري على قارعة التاريخ ولا نثبت حقائق الأحداث والتهجير والتشريد واللجوء والمجازر المجزرة

التعليـــقات

جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء