خالد بطراوي يكتب لـ"وطن": سذاجة

11.12.2017 07:26 AM

نخاف نحن المهندسون أكثر ما نخاف في الأحمال ليس من الأحمال الميتة (Dead Loads) بل من الأحمال الحية (Life Loads) ونرتعب وبشكل خاص من الأحمال الديناميكية (Dynamic Loads) وخصوصا أحمال السوائل وأخطرها تلك التي تتجمع خلف السد كأحمال المياه الديناميكية.

في علم السياسة (التي هي تعبير مكثف عن الاقتصاد) كثيرا ما يفشل السياسيون في الانتباه لهذه الحركة الديناميكية الهادرة للجماهير عندما تبلغ درجة تأزم الموقف ذروتها فيحدث اختراق تماما كما تتصرف المياه خلف السد عندما يحدث تشققا أو ثقبا في ذلك السد فتزداد التشققات وينهار السد فتندفع المياه شلالا هادرا يجرف كل شىء أمامه.
تلك هي الحالة الوحيدة التي لا يحسب لها حساب أما باقي السيناريوهات فان جهابذة السياسة العالمية يحسبون لها حسابات وحسابات ونكون من السذج اذا ظننا عكس ذلك.

لم يأت اعلان الادارة الأمريكية المتمثلة برأس هرمها ترامب الاعتراف بالقدس كعاصمة لدولة الاحتلال من فراغ أو دون أن تدرس هذه الادارة كافة التبعات العالمية والاقليمية والعربية والاسلامية والمسيحية. ومن السذاجة بمكان ان كنا نفكر بعكس ذلك.
أمه اسلامية تغط في سبات عميق، همها بأي قدم يدخل المرء الى الوحدة الصحية باليسرى أم باليمنى، تتنافخ شرفا على أمجاد الماضي وتتغنى بهذا القائد أو ذاك، فكيف لها أن تحدث شرخا في السد الذي يقف حائلا أمامها في الزحف الى القدس؟
هذا الخط الفاصل بين نسيم البر ونسيم البحر المتمثل في صراعات السنة والشيعة وغيرهم هنا وهناك كيف له أن يلتفت الى المعضلة الكبرى المتمثلة في الاستعمار باشكالة الجديدة؟

أنظمة عربية تغرق أكثر فأكثر في مستنقع التبعية وتحول بلادها الى أسواق استهلاكية لا انتاجية وتصفق لقطاع الخدمات وبضمنه البنوك والاتصالات فكيف لها أن تحدث ثغرة في السد اذا كانت تجري أبحاثا وأبحاثا ورسالات دكتوراه عن أهمية شرب بول البعير كما يؤكد لي دوما زميلي المهندس خالد غزال المختص في سريان السوائل.
فهل كنا نتوقع خطابات نارية من قادة العرب وقادة العالم الاسلامي ازاء قرار الادارة الآمريكية ، ساذج فعلا من كان يتوقع أكثر من بيانات الشجب والاستنكار.

الادارة الآمريكية كانت تعي تماما أن اعلانها سوف يحرك الشعوب العربية لتخرج في مظاهرات واعتصامات واحتاجات في هذا البلد العربي أو ذاك لذلك أوعزت لطواقمها اما بمغادرة السفارات مبكرا لعطلة رأس السنة أو بالتواجد وأخذ الحيطة والحذر وقالت لرعايها فكروا في قضاء عطلة أعياد الميلاد المجيدة على أراض تقل فيها الاحتجاجات.
الادارة الآمريكية لديها الاستعداد لامتصاص الخطاب العربي والاسلامي الرسمي بل والى درجة كبيرة صياغة الكلمات والتصريحات الصحفية لهذا الزعيم العربي أو ذاك.

أهم شىء في عالم العسكر هو امتصاص أو استيعاب الصدمة الأولى، من خلال "تنفيسة"  في السد من خلال فتح الصنبور قليلا ثم اعادة اغلاقه باحكام.

وبذات السياق ان كان من بيننا من توقع خطابا غير الخطاب الذي وجهه الرئيس الفلسطيني لأبناء شعبه فهو أيضا ساذج، فرأس هرم السلطة الفلسطينية وليس دفاعا عنه أو عن السلطة الفلسطينية يدرك المعادلات الدولية والاقليمية والعربية والاسلامية بل وحتى الفلسطينية فلن يطعمنا ( فستق فاضي) من ناحية ولن يكون أمامه الا رفض موضوع الاعتراف الأمريكي بالقدس والتأكيد على الثوابت الفلسطينية والاعتماد على مقولة ( ما بيحرث الأرض الا عجولها) ومقولة ( ما ببقى في الوادي الا حجاره) وهو يدرك فشل الدبلوماسية الفلسطينية جراء أولا القصور الذاتي الفلسطيني والاهتمام بالخاص واهمال العام وثانيا هذا السبات العميق الذي تغط فيه الأمة العربية والاسلامية وثالثا هذا الجنوح نحو الذاتية المفرطة والمصلحة الشخصية للجاليات العربية في أمريكا وأوروبا التي تكون تحركاتها أقل كثيرا من التوقعات ، ورابعا ذاك التمزق الفلسطيني وخامسا وسادسا وسابعا ... الخ.
حتى سماحة السيد حسن نصر الله الذي وجه خطابا بلهجة الماركسيين اللينينيين التي تراكم فكرة تلو الأخرى والتي قال تراكميا أن المستهدف هو الفلسطيني المقدسي بوجوده وأملاكه وجنسيته ثم يأتي بعد ذلك الشعب الفلسطيني وأن المستهدف أيضا الديانة الاسلامية والمسيحية ومقدساتها لم يصدر أي تحذير بنقل السفارة بل وشدد على أهمية التحرك الجماهيري (ولو بشق تمره) حتى لو من خلال تغريدة فيس بوكية وذلك ( أضعف الايمان).

وعلى صعيد آخر، يريدون لنا أن تتعلق أنظارنا نحو ايران بعد أن فشل خيار موسم الحج الى السعودية والبلاد العربية في ذلك استقراء لمعادلات جديدة يراد فرضها في المنطقة "لغرض ما في نفس يعقوب".

الذي أفشل قبل أشهر موضوع البوابات الالكترونية للدخول الى المسجد الأقصى وقبة الصخرة المشرفة هم بالدرجة الأولى أبناء القدس وشعبنا في الداخل ومن استطاع من أبناء الضفة الغربية الوصول الى هناك.
من السذاجة ان كنا نفكر أن زحفا عربيا أو اسلاميا أو فارسيا نحو القدس يوما ما سيأتي كالشلال الهادر من كافة الحدود مع فلسطين.

التعليـــقات

جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء
تصميم وتطوير