مثقفون وناشطون عرب: التطبيع جريمة أخلاقية

11.12.2017 09:03 PM

وطن للأنباء: في توقيت لا يخلو من الدلالات المزعجة جدا، قام وفد بحريني رسمي قبل أيام بزيارة علنية لإسرائيل، ووفقا للقناة الإسرائيلية الثانية التي أذاعت الخبر مساء السبت الماضي، فإن زيارة الوفد التي تضم شخصيات شيعية وسنية أتت بإيعاز وتوجيهات من ملك البحرين، حمد بن عيسى آل خليفة.

وعلى خلاف تلك الزيارة التي قام بها اللواء السعودي السابق أنور عشقي من قبل، ومشاركة وحضور الأمير تركي الفيصل، رئيس الاستخبارات العسكرية السعودية السابق، مؤتمرات واجتماعات مع مسؤولين إسرائيليين، والتي لم تأخذ طابعا رسميا فإن زيارة الوفد البحريني رسمية، غايتها توصيل "رسالة تسامح للمسؤولين الإسرائيليين لتعزيز الحوار بين الأديان" حسب القناة الإسرائيلية الثانية.

من الطبيعي أن تثير زيارة الوفد البحريني موجة من الغضب والسخط في الأوساط العربية والإسلامية والفلسطينية، لا سيما في هذه الظروف العصيبة التي تمر بها القضية الفلسطينية، بعد قرار الرئيس الأمريكي ترامب بأبعاده وتداعياته الخطيرة، إذ تساءل مثقفون ونشطاء: ما الذي دها البحرين حتى تقوم بهذا العمل المزعج والاستفزازي لعامة الشعوب العربية والإسلامية؟

من جهته وصف الأكاديمي والإعلامي الأردني، موسى برهومة "التطبيع مع الكيان الصهيوني بأنه جريمة أخلاقية، لا سيما إذا نادى به "مثقفون"، لأنه يعني التواطؤ مع الشر، والتحالف مع القتل، ومهادنة المجرمين".

ورأى برهومة أن دعوات التطبيع تلك وما يترتب عليها من زيارات ولقاءات، "لا تجد أذانا مصغية لدى الشعوب العربية، وقد تجد نفرا يستثمر في "التطبيع" متخذا منه "حصان طراودة" لتحقيق مآرب سياسية وتكتيكية، لكنه في المحصلة النهائية غير مؤثر في إقناع الوعي الجمعي العربي لمباركة هذا الفعل المدان والمستنكر".

واستنكر برهومة كل أشكال التطبيع وصوره بقوله: "لا مبرر لأية نخبة ثقافية أن تدعو أو تشجع على التطبيع مع أبشع نظام احتلال عنصري استئصالي متوحش عرفه التاريخ". على حد وصفه.

وأضاف: "إن التطبيع في هذه الحالة يعني إعفاء المجرم من جرائمه، والشدّ على يد السارق الذي نهب الأرض والبيارات والمستقبل ونكل بالتاريخ والجغرافيا، السلطات السياسية المتواطئة مع الظلام والسقوط قد تسوّغ لنفسها أن تطبع مع دولة احتلال، لأن السياسة بلا أخلاق ولا قيم".

وتابع برهومة: "أما أن تنطلق تلك الدعوات الانهزامية من خندق الثقافة والفكر والفن، فهذا سلوك بشع يفتقر إلى أبسط المعايير الإنسانية، ويغفر للجلاد ويتناسى آلام الضحية".

وانتقد برهومة بشدة المهرولين نحو التطبيع لافتا إلى أن "الكيان الصهيوني لم يقدم ما يجعل أحدا يكافئه بالتطبيع معه، بل هو على العكس من ذلك يواصل إذلال الفلسطينيين ويخنقهم، ويصادر أراضيهم ويهدم بيوتهم، ويعتقل البشر والحجر والهواء"، متسائلا: "فأي معنى لدعوات التطبيع تلك"؟

وأكدّ برهومة على أن "إسرائيل عدو تاريخي ليس للفلسطينيين، ولسائر العرب والمسلمين وحسب، بل وللإنسانية كذلك، إنها الوجه الأشد قبحا للتوحش، ومن يصادق الوحش فإنه يحمل بالضرورة، صفات الوحش".

وفي السياق ذاته وصف الناشط الدعوي السعودي، باسم العطاس أن "ما تريده إسرائيل وتسعى إليه، هو التطبيع مع الشعوب في الدرجة الأولى حيث تكمن مصالحها ومصلحتها الكبرى، ألا وهي الشعور بالأمن وذلك بإذابة الشعور بالعداء، ليبقى الفلسطينيون وحدهم في مواجهة الكيان الصهيوني في هذه المرحلة على الأقل، سيما في هذا الزمن الذي سادت فيه النظرية القائلة بأن الشيعة أشد خطرا على الإسلام والمسلمين من اليهود".

وقلل الناشط السعودي من قيمة التطبيع في تحقيق مصالح الشعوب العربية والإسلامية لافتا إلى "أننا لو نظرنا للدول التي سبقت إلى التطبيع وإقامة العلاقات والدبلوماسية الكاملة فلن تجد أي فائدة عادت على شعوب تلك الدول، ما يعني أن المصلحة كلها ستكون للكيان الصهيوني فقط".

وجوابا عن سؤال لموقع "عربي21" حول النخب الداعية والمشاركة في التطبيع هل لها ثقلها الشعبي، أم إنها نخب هامشة ومعزولة؟ قال العطاس: "نعم هي هامشية ولكنها ليست معزولة، فهم رجال المرحلة، ولا يخفى على أحد ما يقوم به الإعلام من صناعة الرأي، ومن يوصوفون أنهم نخب هامشية هم الذين يتربعون في الوقت الحالي على منابر أغلب وسائل الإعلام".

لكن كيف ستتمكن الأنظمة الساعية للتطبيع مع إسرائيل من إسكات الشعوب الرافضة وإخضاعها لتلك السياسات؟ أجاب الكاتب الصحفي السوداني عباس محمد صالح بقوله: "ستلجأ تلك الأنظمة لأساليبها المعتادة من قمع الشعوب واضطهادها من جهة، وتوسيع دوائر البث الإعلامي المستهدف لترويج التطبيع في المنابر الإعلامية التقليدية، ومنصات التواصل الاجتماعي المختلفة".

ولاحظ عباس وحود موجات إعلامية مكثفة تشرف عليها تلك الأنظمة وتمولها، تسعى باجتهاد ومثابرة لتهيئة المنطقة وشعوبها لتقبل سياسات التطبيع واعتباره أمرا طبيعيا، وإخضاعها نفسيا لتقبله بشتى الطرق والوسائل الممكنة والمتاحة.

وأضاف "من يتابع الكتابات والأحاديث المنشورة بخصوص ترويج التطبيع على المستوى الشعبي، يدرك تماما أن القوم قد أعدوا للأمر عدته، وجهزوا أدواتهم وآلياتهم لتحقيق ذلك وتنفيذه".

ورجح الكاتب السوداني أن يبقى تأثير تلك الموجات الإعلامية المكثفة والموجهة محصورا بنخب قررت المضي في سبيل التطبيع، من غير أن يكون لذلك التأثير فاعلية وتأثيرا على تغيير قناعات الشعوب، التي ما زالت في مجموعها ترفض تلك السياسات التطبيعية وتنفر منها".

بدورها رأت الناشطة السعودية على مواقع التواصل الاجتماعي، نهى البلوي أن تلك النخب الداعية إلى التطبيع أو المشاركة فيه، ليست نخبا معزولة، لكن الأغلبية الشعبية ضد التطبيع، رغم أنها أغلبية صامتة مع الأسف الشديد.

ولفتت البلوي إلى أن موقف بعض السلطات الخليجية التي لم تغضب بسبب دعوات التطبيع تلك، رغم اعتبارها إسرائيل عدوا، الأمر الذي يترك سؤالا قلقا: فيما إذا كانت بعض هذه الدعوات قد أتيح لها الباب فعلا، أم هي مجرد آراء؟

وحول مدى تأثير تلك الدعوات على مواقف الشعوب العربية الرافضة في مجموعها للتطبيع مع إسرائيل باعتبارها كيانا مغتصبا، قالت الناشطة السعودية البلوي لـ"عربي21": "لا أعتقد أن مثل هذه الدعوات يمكن أن تؤثر تأثيرا قويا على الرأي الشعبي، إلا في حال أيدتها السلطة، وتم إرضاخ الشعب بالقوة والإكراه للقبول بالأمر".

وختمت البلوي كلامها بأن "الأنظمة السياسية التي تعمل على تهيئة الأجواء للتطبيع مع إسرائيل، لن تتمكن من اختراق الرفض الشعبي لذلك عبر طرق الإقناع المعروفة، وهو ما يرجح لجوء تلك الأنظمة إلى استخدام أساليب القوة وطرق الإكراه التي أدمنت تلك الأنظمة على استخدامها".

(عربي 21)

التعليـــقات

جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء
تصميم وتطوير