المشكلة في خطاب الرئيس

03.04.2016 12:50 AM

كتبت نادية حرحش

شاهدت مقاطع متفرقة للرئيس الفلسطيني محمود عباس من الأيام الأخيرة تتضمن مقابلة صحفية له مع قناة تلفزيونية إسرائيلية ومقاطع من اجتماع مع رجال دين إسرائيليين وغيرهم في ما بدا كاجتماع عام.
وما تناقلته وسائل الإعلام من انتقاد لاذع وساخر ليس مستغربا . فكلام الرئيس يتضارب مع الواقع المعاش. إصرار الرئيس على السلام والتعاون والتنسيق إمام الرأي العام الإسرائيلي ، وتهديده ووقفه سواء بالمنابر الدولية أو الاجتماعات الفلسطينية أو عن طريق مركزية فتح ومنظمة التحرير أو الحكومة يشكل كالضربة على الأذان الفلسطينية صاغية أو عابرة . 
تضيع كلمات الرئيس الحقيقية ما بين خطابين بكلا الحالات موجه للإسرائيليين .
ليس منيخاطبهم،احظة هذا ، ولا يتطلب الأمر حنكة بالتحليل لفهمه . فأريحية الرئيس في الخطاب الموجه مباشرة للإسرائيليين ليست بسبب شعوره بالراحة لأنه يخاطبهم ، ولكن على ما اعتقد ، انه يعرف أن كلامه مباشر وغير مشفر ولن يذهب إلى تحليل تنقيحي آخر. بينما عندما يقوم الرئيس بتوجيه كلماته لنا.نحن الشعب، على ما يبدو انه يكون متحسبا للتحليل اللاحق لما سيقوله فيما بعد من قبل الإسرائيليين وغيرهم من القوى المسيطرة والمتحكمة بالمشهد السياسي. فتكون النتيجة مخيبة للآمال ولا ترتقي لمستوى الحدث ولا لتوقعات الشعب.
هناك ما يقوله الرئيس ويتلاقى تماما معنا كشعب . المشكلة في توجيه هذا القول للآخر وليس لنا . والمشكلة الثانية هي بخلط الأمور.
افهم تماما بأن فكرة التنسيق مفروغ منها . وأي كلام بعكس هذا هو ضرب من الكذب. فعندما يقول الرئيس أن التنسيق الأمني مقدس ، سواء لنا أو لهم ، فهو على حق . فالتنسيق الأمني هو من مقومات السلطة المقامة على أسس أوسلو. وهذا ليس بمشكلة . عند فرض أن الاتفاق اتفاق ولقد رضينا به علي الرغم من سوئه . وهنا لا أحمل الرئيس ولا السلطة المسؤولية على هذا لوحدهم. فهي مسؤولية جماعية. نحن شعب وسلطة عرفنا معرفة صارخة بأن أوسلو ليست بالمنفذ الأفضل للقضية الفلسجهة، واستمرينا بها . هناك ما يناسب احتياجاتنا ربما كشعب وسلطة سكتنا عنه جميعا .
ولكن يبقى السؤال الأهم . ما الذي يمكن أن نفعله للخروج من هذا ؟
نعي اليوم تماما كشعب بأنه ليس بيد الرئيس حيلة أمام عنفوان وبطش إسرائيل من جهة ، وتهكم وسيطرة القوى الغربية من الجهة المقابلة . هناك أجندة الكل يعمل من خلالها.
فهل نرضى بهذا كشعب ؟
يبدو أننا منقسمون في هذا بين ما كنا نتمناه وبين ما نعيشه. فلا أظن أن أحدا منا صادقا تماما عندما يدعو إلى إزالة السلطة والعودة إلى الاحتلال. على الرغم من انه هو الوضع الأفضل . إلا انه لا يمكن أن ننكر أن الوضع الحالي هو وضع يريده الفلسطينيون جميعا . ذلك الوضع الذي بت مؤسسة بنيوية فتوقعاتنا.صحيح أن هذه المؤسسة لا ترقى إلى توقعاتنا . إلا أنه من خلالها تم بناء المؤسسة الأهلية والرسمية وغيرها من مرافق شكلت صورة فلسطينية مستقلة، فتحت المجال لان تكون الهوية الفلسطينية ممتدة وموجودة.
وعليه تكون العودة إلي خطاب الرئيس.
فالرئيس حاله كحالنا . يرى انجازا وحياة أرادها كفلسطيني ويتمتع بها اليوم كرئيس. مثلا . أن يكون هناك سلطة فلسطينية يعني أن حالنا.أن تحلم بأن تصبح رئيسا أو وزيرا إلى آخره من مناصب لم تكن متاحة لنا تحت الاحتلال.
والأمر ينطبق على المرافق والوظائف الأخرى والمناصب.
ولكن لا يعقل أن يكون حال الرئيس من حالنا . في كلامه بالحوار الأخير مع التلفزيون اويتركه.ي ، لم استهجن كلامه أبدا ، لم استهزئ منه . على العكس. قال ما سيقوله أي أب فلسطيني أو أم . ليس هناك عاقل يعرف أن ابنه خارج بسكين ويتركه .
المشكلة في موضوع العمليات وردود فعل الأهل والشعب تكمن في اللحظة التالية للعملية لا اللحظة السابقة.
أي أن الإعلام يستفرد بالأم الثكلى بلحظة علمها بفقدان ابنها ويسألها عن شعورها وسط جموع وافرة االجنة.ن المصدومين الذين يقومون بشد عضد الأهل محاولين التهوين عليهم واعدين إياهم بالأجر الكبير في الجنة.. فتكابر الأم أو الأب وتتفاخر بما حصل. وتقول أنها تشجع ما قام به ابنها .
كل ما نتناوله هو اللحظات التالية ... اللحظات التي لا يمكن للام استرجاع ابنها منها . لحظات قادمة لحياة مليئة بالفقدان لن يعبئها أي شيء. خسارة لا تعوض ولا تسترجع . فتقول ما تقوله . ويردد الجموع ما تردده أو العكس.
ولكن هل هناك أم أو أب يقولون لابنهم اخرج اطعن ولا تعد ؟
هذه هي المشكلة في تسويقنا الخاطئ لتضحياتنا الكبيرة .
عندما سمعت الرئيس يقول أن أجهزة الأمن تفتش في حقائب الأطفال استهجنت وقع التصريح بالبداية. وربطته بفكره التنسيق المقدس. ولكن عندما أعدت الجملة في رأسي سعدت . فتصرف الأمن بالمدارس صحيح. ولكن الوصف لم يكن موفقا ضمن الحوار الحاصل. أو بالأحرى الإطار الذي وضع فيه الحوار لم يكن موفقا .
من المسؤولية أن يكون هناك تدابير أمنية في المدارس يترتب عليها الكثير من العمل مع الطلاب وإقناعهم بان ما يحتاجه الوطن هو جيل حي متعلم وواعي ومتصل بحياته من اجل التحرير.
ولكن ضاعت كلمات الرئيس في أثير الواقع المرير. فصورة الأمن بالنسبة للمواطن المستمع ترتبط بالتنسيق من اجل العدو، وبالقمع المستجد بالمظاهرات السلمية وبحجز الأجهزة للمواطنين بما لا ندري عنه من سلطان إلا لسلاطين الأمن.
وإذا ما قارنت كلمة الرئيس المقتطعة بكلمة أبو عبيدة التي خرجت بنفس الوقت تقريبا بخصوص الأسرى الإسرائيليين ، والتي صفق لها الشعب وهلل. لو استمعنا جيدا لانتبهنا بان أبو عبيدة قال انه لا يوجد اتصال من أي نوع مع الإسرائيليين بخصوص الأسرى . هذا يعني أن هناك ربما تنسيق أو اتصال أخر بخصوص أمور أخرى.
وهذا أيضا طبيعي.
هنا تكمن الفروقات بالخطاب. عندما خرج أبو عبيدة مكلما الإسرائيليين كان خطابه غير المباشر للفلسطينيين . كان الرأي العام الفلسطيني هو ما يصبو إليه . بعكس الرئيس الذي يكون خطابه دائما موجها للآخرين.
قد يقوم الرئيس بهذا من موقعه المسؤول والمطالب به كرئيس. فعليه أن يكون حريصا فيما يقال وما لا يقال.وهنا يكون الرئيس قد وقع في المطب بعلم أو غير علم لا اعرف. أو لربما يكمن السؤال إذا ما كان واعيا لما يحدث من تأثير على خطابه .
ولا اعرف من المسؤول عن هذا . أتخيل أحيانا أن الرئيس محاطا بالمستشارين الذين ينقلون له ويدلون له بالنصائح المترتبة بتأثيره على الشارع الإسرائيلي، وكأن الشارع الفلسطيني تحصيل حاصل. سيقبل بالنهاية أو يعي ما لا يعيه الآن مستقبلا.
وفي كل الحالات يكون الخطاب وكأنه محصور على فئة بعينها عند تلقيه، متجاهلين تماما أن الشارع اختلف بتلقيه للمعلومات. وكأن الفلسطيني لن يشاهد محطة أخرى غير تلك التابعة للخطاب الرسمي الفلسطيني.
لو خرج الرئيس بخطاب موجها للشعب ، مباشرا ، والشعب هنا المقصود ليس الفصيل الذي يرأسه الرئيس . أي أن يكون خطابا فلسطينيا لا فتحاويا يقول فيه ما يقوله أمام الإسرائيليين . خطابا بلا أوراقا مكتوبة أو أسئلة والثقة.بقا في حوار. سيجني الرئيس الكثير من المصداقية والثقة .
أحيانا اشعر باليتم بحالنا الفلسطيني. يتم لا يسببه الموت . وخطاب الرئيس وحواره مع الإسرائيليين في كل مرة يشعرني بهذا اليتم. ولا اعرف مدى صعوبة المعادلة في إيجاد حوار متوازن للشعب والآخر . خطاب للشعب يكلمه به بلا حدود . يشارك مخاوفه وهواجسه وأحلامه وخططه وتوقعاته للشعب.

التعليـــقات

جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء
تصميم وتطوير