الصيام في الأديان السماوية المختلفة ...أكثر من مجرد امتناع عن الطعام

15.06.2019 08:39 AM

وطن- ريم بركات: بحلول شهر رمضان الفضيل، وعلى الرغم من أهميته للكثير من المسلمين والتزام الكثير منهم بصيامه في شتى أنحاء العالم، إلا أن فهم العديد منهم ومن ديانات أخرى لأهمية الصيام الروحانية والجسدية هو فهم ضئيل ومحصور بأمور معينة. في هذا المقال، سنقوم بالتطرق إلى مفهوم الصيام وشعائره في ديانات مختلفة، وأهميته على النطاق الروحي والجسدي، بالإضافة إلى الثقافة الغذائية المصاحبة للصيام.

الصيام هو الامتناع عن الطعام، أو أنواع معينة من الطعام لفترة زمنية محددة. كان له دور مهم في ممارسات العديد من الديانات الرئيسية. هناك أسباب وأهداف عديدة للصيام، ففي العديد من الديانات المبكرة في التاريخ، كان الصيام مرتبطاً بكسب ود الآلهة، أو كطريقة لطلب الغفران على أعمال الناس السيئة. في بعض الأديان، يصوم الناس في أوقات الحداد، وفي أديان أخرى يعتقد الناس أن الصيام سيبعد تفكيرهم عن الأمور المادية ويدخلهم في حالة فرح وسعادة روحانية. في بعض الأحيان، تكون هناك أهداف شخصية أو سياسية للصيام. المهاتما غاندي على سبيل المثال كان يصوم إما لأهداف تتعلق بالتوبة، أو كطريقة احتجاج سياسية.

طبيعة الصيام تبعاً لديانات مختلفة

الديانة اليهودية
تختلف أيام الصيام باختلاف الديانات، ففي الديانة اليهودية هناك ستة أيام صيام في السنة وفي هذه الأيام يمنع الطعام والشراب لمدة ٢٤ ساعة، منذ شروق الشمس وحتى شروقها في اليوم الذي يليه. في يوم الغفران ويوم ذكرى خراب الهيكل هناك قيود معينة إلى جانب الإمتناع عن الطعام والشراب وهذه القيود الإضافية تقتصر على هذين اليومين، وهي الإمتناع عن غسل الجسم، ارتداء الجلد، التعطر، والجنس. يقوم اليهود بهذه الأيام، وبالتحديد بيوم الغفران بالاستغفار وطلب الرحمة. بعض اليهود الأرثوذكس يتبعون عادة صيام العريس والعروس في اليوم الذي يسبق يوم زفافهم.

الديانة المسيحية
في الديانة المسيحية، يتضمن الصيام تخفيف وجبات الطعام اليومية إلى وجبة واحدة كبيرة بالإضافة إلى وجبتان صغيرتان إذا جمعتا تكونان أقل كميةً من الوجبة الكبيرة، ولا يسمح بتناول أي شيء بين هاتين الوجبتين، بالإضافة إلى وجوب تجنب تناول اللحوم. تكون فترة الصيام بالعادة بما يسمى بـ الصيام الكبير، وهي عبارة عن ٤٠ يوماً تبدأ بأربعاء الرماد حتى عيد الفصح تمجيداً لذكرى الأربعين يوماً الذين صامهم المسيح عليه السلام في الصحراء. بشكل عام وبالنسبة للمسيحيين، فنادراً ما يعني الصيام الإمتناع عن جميع أنواع الطعام في اليوم الواحد، وبالعادة فإن الناس الذين يكونون بصحة غير جيدة يسمح لهم بعدم الصيام. أتباع الطوائف الكاثوليكية لا يأكلون اللحوم في أيام الجمعة.

الديانة الإسلامية
في الديانة الإسلامية، يعتبر الصيام أحد أركان الإسلام الخمسة، إلى جانب الصلاة والزكاة والحج والشهادتان (إعلان الإيمان). في شهر رمضان وهو شهر الصيام والذي يأتي في الشهر التاسع من التقويم الهجري، يبدأ الصيام بنية ينويها الفرد قبل كل فجر ويكون الإمتناع منذ طلوع الشمس وحتى غروبها، فلا يقرب الطعام أو الشراب أو الجنس أو الدخان، ولا يدخل أي شيء إلى جسده في الفترة ما بين الفجر والمغرب لمدة ٣٠ يوماً. هناك أيام صيام تطوعية في الإسلام أيضاً، وهذه قد تكون أيام الاثنين والخميس، بينما يمنع الإسلام صيام أيام معينة مرتبطة بالأعياد خصوصاً بعيد الفطر. رمضان يأتي بنمط حياة مغاير عن النمط الذي يعتاده الإنسان في أشهر السنة الأخرى، وهذا الشهر لوحده كفيل بإحداث تغيير إيجابي قد يمس بفوائده باقي أشهر السنة. طبيعة الصيام في شهر رمضان تساعد في تنظيم عمل الساعة البيولوجية للإنسان وهذا أمر تؤكد عليه الأبحاث العلمية وهو حاجة الدماغ لعملية تنظيمية سنوية، وهذا ما يساعد شهر رمضان على تيسيره.
في هذا الشهر، تكون هناك بالعادة وجبتان رئيسيتان خلال النهار، وهما وجبة السحور ووجبة الإفطار، وبالعادة يحرص الناس على تناول أنواع معينة من الطعام التي من شأنها أن تساعد أو تسهل في عملية الصيام.
في وجبة السحور، ينصح الصائم بتناول وجبة غذائية كاملة لتزويده بطاقة كافية لساعات الصيام الطويلة. يفضل أن تحتوي هذه الوجبة على أنواع الطعام التالية:


●  الفواكه والخضراوات لأنها غنية بالألياف، ومهمة لأنها تزيد من شعور الامتلاء وتمنع حدوث الإمساك، بالإضافة إلى احتوائها على الفيتامينات والمعادن الضرورية لصحة جيدة.
● الرز وبدائله لأنه غني بالكربوهيدرات عالية الألياف كالرز البني، والخبز ذو الدقيق الكامل بحيث يأخذ وقتاً أطول
           للهضم، وبالتالي يساعد في الحفاظ على مستويات الطاقة لوقت أطول.
● اللحوم وبدائلها: الدجاج، السمك ومنتجات الألبان قليلة الدسم لأنها مصدر مهم للبروتينات. بالإضافة إلى ذلك، فإن اللحوم تساعد في إصلاح وبناء أنسجة الجسم، وبناء جهاز المناعة. استهلاك منتجات الألبان العالية بالكالسيوم يساعد أيضاً في الحفاظ على عظام قوية.
وجبة الإفطار هي وجبة مهمة بحيث يتم فيها تجديد مستويات الطاقة، لذلك يجب أيضاً الحرص على استهلاك طعام متكامل يشمل جميع المجموعات الغذائية الرئيسية المذكورة أعلاه. بالعادة، عند كسر الصيام، يتم تناول التمر، فبالإضافة إلى كونه مصدراً مهماً للطاقة، فإنه أيضاً غني بالبوتاسيوم ويساعد العضلات والأعصاب على العمل بشكل جيد، لكن لا يحبذ الإكثار منه لاحتوائه على مستويات عالية من السكر.

ما وراء المتعارف عليه في أهمية الصيام


كما نلاحظ، فإن التشابه بين تقاليد الصيام في ثقافات وديانات مختلفة هو التقيد المرتبط بالإمتناع عن الطعام بالأساس، فلماذا يعتبر الصيام جزءاً مهماً في أغلب الديانات؟ ولماذا هذا التركيز الكبير على الإمتناع عن الطعام، وما هي الفوائد المترتبة عليه؟
فوائد الصيام قد تكون روحانية أو جسدية أو نفسية أو صحية. بالنسبة للفوائد الروحانية والنفسية، وبما أن الصيام يتضمن محاولة السيطرة على الجسد، فإن العديد من الأديان تعتقد بأن الصيام مهم لتحصيل تهذيب أو انضباط عقلي وتوظيف هذا الإنضباط بالصلاة أو التأمل لجعل هذه التجارب أكثر قوة.
فوائد الصيام
الهدف من الصيام بالأغلب هو ليس المعاناة، بل التقرب من الله وإدراك إسراف الفرد اليومي، وللمشاركة في إخراج الصدقات والزكاة لمن هم بحاجة لها. في الإسلام، الصيام لا يعني فقط الإمتناع عن الطعام والشراب، بل هو أيضاً الإمتناع عن الإساءة في الحديث والفعل، والمجادلة والخصام، بالإضافة إلى الإبتعاد عن الأفكار الشهوانية. بالتالي، فأهمية الصيام تتمثل أيضاً بالمساعدة في تطوير سلوك جيد.

أما بالنسبة للفوائد الجسدية والصحية، ففي حديث للدكتور مارك ماتسون المتخصص بعلم الأعصاب على برنامج TEDx talk، يتطرق فيه إلى سؤال مهم وهو :"لماذا تتكون الحمية الغذائية النمطية من ثلاث وجبات رئيسية باليوم بالإضافة إلى وجبات خفيفة؟".
يقول الدكتور ماتسون أن هذا ليس نمطاً غذائياً صحياً باعتقاده وهو أمر أكدت عليه العديد من الدراسات. يعتقد الدكتور ماتسون أن هناك ضغوطات وجهود كبيرة تبذل في سبيل الترويج لهذا النمط الغذائي، وأن هذا يرتبط ارتباطاً كبيراً بالأموال، بحيث أن الصناعات الغذائية ستتضرر كثيراً إن لم يكن نمط الحمية الغذائية لأغلب الناس كما هو الآن. إن كانت ثقافة الصيام هي السائدة، بالإضافة إلى ممارسة التمارين الرياضية وإتباع نظام حياة صحي بشكل عام، فليست الصناعات الغذائية هي الوحيدة التي ستتضرر، بل الصناعات الدوائية كذلك، بحيث أنها لن تعود قادرة على بيع الأدوية لأشخاص ذي صحة جيدة.


الدكتور ماتسون وزملاء له في مختبر العلوم العصبية في المعهد الوطني للشيخوخة، قاموا بنشر العديد من الأوراق البحثية التي تناقش كيف أن صيام يومين بالأسبوع قد يقلل بشكل كبير من خطر الإصابة بمرض الباركنسون (الشلل الإرتعاشي) ومرض الزهايمر. الصيام مفيد للدماغ أيضاً، وهذا يتضح من خلال جميع التغيرات الكيميائية العصبية التي تطرأ على الدماغ عندما نصوم. أثبتت الدراسات أن الصيام يحسن من الوظيفة الإدراكية ومقاومة الإجهاد ويزيد من عوامل التغذية العصبية بالإضافة إلى أنه يخفف الإلتهابات.


يعتبر الصيام بمثابة تحدي للدماغ، ولذلك فإن ردة الفعل على هذا التحدي تكون بتأقلم الدماغ من خلال تبني مسارات استجابة للإجهاد التي تساعد العقل على مواجهة الضغوطات ومخاطر الأمراض. والتغييرات التي تحصل بالدماغ أثناء الصيام هي مشابهة للتغييرات التي تحصل عند ممارسة التمارين الرياضية بشكل منتظم، بحيث أنه في الحالتين تتم زيادة إنتاج بروتينات تسمى "عوامل التغذية العصيبة" في الدماغ، وهذا يحفز نمو الخلايا العصبية، بالإضافة إلى تقوية نقاط الإشتباك العصبي. ليس هذا فحسب، بل إن دورات الصيام المطولة تحمي من تلف الجهاز المناعي وتحفز عملية تجديد نظام المناعة، وتجديد الخلايا.


فوائد الصيام كما رأينا، لا تقتصر فقط على النواحي الروحانية المرتبطة بالتقرب إلى الله، أو طلب الرحمة والإستغفار، أو التهذيب النفسي المتعارف عليها غالباً بين متبعي الديانات المختلفة منذ عمق التاريخ، بل مع التقدم التكنولوجي الحديث، أثبتت الدراسات العلمية مؤخراً أن فوائد الصيام تتعدى كونها فوائد روحانية ونفسية فقط لتكون ذات فوائد جسدية وصحية كذلك.


على المستوى البيئي أيضاً، فإن الصيام يساعد على ترشيد وتقليل الاستهلاك المفرط للمصادر التي تنعم علينا الأرض بها من خلال الوعي بأنماط التبذير الفردية ومحاولة التخلص منها وشعور الفرد مع الفقراء من حوله من خلال إخراج الصدقات والزكاة لمن له القدرة على ذلك. وبالتالي، فإن الإستهلاك الصحيح في أيام الصيام يكون في حدود حاجة الفرد وما يكفي لسد جوعه وعطشه، وما يكفي لتزويده بالطاقة التي تمكنه من الإستمرار ليوم آخر، وما نراه من مظاهر التبذير لدى الكثير من الناس حتى في أيام الصيام هي مظاهر لا تتلاءم مع جوهر الصيام والهدف منه.

 

خاص بآفاق البيئة والتنمية

التعليـــقات

جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء
تصميم وتطوير