هل أصبح الدّم ماءً ... وخرج الظفر من اللّحم ؟؟

12.07.2019 08:44 AM

كتبت: أسماء سلامة

الدّم ما بيصير ميّ ، وعمر الظفر ما بطلع من اللّحم، هاتان المقولتان كانتا للتعبيرعن مدى قوّة أواصر العلاقات بين الأقارب ، وصلة الدّم ، وأنه مهما حصل بين الأخوة والأقارب فإن صلة الدّم ستمنع لا محالة تفشي العداوة وقطع العلاقات بينهم ، ولكن هل هذا فعلاً صحيح وحقيقي ؟؟ هل فعلاً لا يمكن أن يخرج الظفر من اللحم والدم عمره ما بيصير مي ؟

حضرت في السنة الماضية ، العديد من المناسبات ( أعراس ، حفلات تخرج ، بيوت عزاء ) ، ولاحظت غياب العديد من الأقارب ( الدرجة الأولى تحديداً ) عن المشاركة في مناسبات أقاربهم ، فرحاً كان أم حزناً ، الأمر الذي بدا لي غريباً وغير مبرر ، فمهما كانت الخلافات بين الأقارب فإن المناسبات تعتبر فرصة لتصفية النفوس ، والمشاركة فيها هو بادرة لحسن النوايا ودليلاً على الرغبة في إنهاء الخصومة . أما أن تصل الأمور إلى حد عدم دعوة طرف لآخر ، أو عدم تلبية الدعوة من الطرف الآخر هو أكبر دليل على الإصرار على البغضاء والكره ، فما الذي طرأ على مجتمعاتنا لنصل إلى هذا الحد من قساوة القلوب ؟ أن لا أشارك أقاربي في فرحتهم ، ولا أشاطرهم أحزانهم ، بل وأتباهى وأتفاخر بذلك أمام الجميع .

تلفت هذه الظاهرة انتباهي منذ مدة ليست قصيرة ، وبدأت أتابع ما يتناقله البعض على وسائل التواصل الاجتماعي من منشورات فيها مشاعر الكراهية تجاه الأقارب واضحة جداً ، تحديداً منشورات ( #مقصودة ) التي أعتبرها قمة في السطحية وعدم المسؤولية ، إن كان لك تحفظ على موقف لقريب، أو تخالفه الرأي أو تعارضه بشدة ، ليكن الحوار بينكما هو الطريق للتفاهم ، أما مسألة ( الردح ونشر الغسيل ) على وسائل التواصل هذه أمور لا ترتقي لتصرفات الناس العقلاء أبداً ، ولا تحقق أي نتيجة إلا زيادة صب البنزين على النار وتأجيج الخلافات ،  البعض يتصيد للآخر بمراقبة منشوراته ، وباتت قصة  ( screen shot ) من أهم الأدلة التي (يمسكها) البعض ضد الآخرين ،  وحجة قوية لإثبات الحق .

هذا واقع بالفعل وواضح للجميع ، ولكن لو بحثنا عن بعض أسباب هذه الحروب العائلية ، والتي تصل نتائجها إلى حد قطع الأرحام ، والقتل أيضاً ،  نجد أن بعضها يعود لمسائل مالية ( ميراث ، شراكة فاشلة ، ديون غير مسددة ) أو أمور النسب التي فشلت وانتهت بالطلاق بين المتزوجين وبين عائلاتهم ،أو كون الأقارب جيران في السكن ويحدث مشاحنات بين الأبناء مثلاً ،  وهناك أسباب غير مفهومة ولا واضحة ولا منطقية أيضاً ، فإن حاولت الفهم ستتوه وما أن تمسك طرف الخيط حتى تفلته من جديد ، تقتصر هذه الخلافات على تناقل الكلام وفي كثير من الأحيان على لسان الآخرين ( بيقولوا ... قالوا ) يعني لم يتم الكلام في مجلس واحد ( واحد يحكي والثاني يسمع ) ، كم هي مؤلمة هذه الحالة ، أن تخسر أخاك أو أختك أو ابن عمك لأنك سلّمت أذنك لألسنة الناس ، هل تبيع آخرتك لمجرد تناقل لأحاديث لا تعرف فعلاً مدى صحتها ؟؟

أين  الترابط العائلي الذي كان قديماً يجمّل مجتمعنا الفلسطيني ،  كان العرس يؤجل لأشهر لحضور الغائبين من السفر ،  لأنه ( ما بصير البنت تطلع بدون عمها أو خالها  ) ، وكانت الأعراس تؤجل لسنة أحياناً بسبب وفاة شخص ( ما بصير نعمل عرس الناس فاقدة ) ، وأنت اليوم تذهب لبيت عزاء وتخرج منه لتدخل في البيت المجاور لتبارك في عرس ،  كانت العروس تخرج من بيت أهلها بعزوة  (أب و أخوة وأعمام وأخوال وأبناء عمومة ) من تشد بهم ظهرها ، والعريس يزف بين أهله وأقاربه وجيرانه ، واليوم قد لا يحضر طرف كامل من أهل أحد العرسان لخلاف بين الأب وبيت حماه أو لغياب أب عن تحمل مسؤولياته تجاه ابنه أو ابنته لأنه فقط ( طلّق والدته/ ها ) .
تفكك رهيب يغزو مجتمعاتنا ، وهو آخذ في الازدياد بشكل ملحوظ ، في المدن والقرى على حد سواء ، وعلى اختلاف المستويات الثقافية والاقتصادية والتعليمية . أصبحت العلاقات القوية بين أفراد العائلة الواحدة تعتبر أمراً غريباً ، وتسمع بعض جمل الاستغراب من البعض  ( نيالهم كلهم قلب واحد وإيد وحدة ) ، كانت العائلات المفككة هي الغريبة ، وباتت المتماسكة الآن !! أصبح من الطبيعي أن يلتقي الأخوة صدفة في مناسبة تخص طرفاً آخر ، أو أن يلتقوا في مطعم أو مكان عام ، فيتفاجأ كل منهم بالآخر ، وكأن  أشهراً مرت على آخر لقاء جمعهم . أو أن يعرف الأخ أخبار أخيه من المعارف والأصدقاء المشتركين .

كانت جدّتي رحمها الله تردد أكثر من مثل بهذا الخصوص : ( إنت وأخوك على ابن عمّك ، وإنت وابن عمك على الغريب ) ، ( اللي مالو كبير بيشتري كبير ) ، ( الدم  ما بيصير مي ) ، ( الظفر ما بطلع من اللحم ). يبدو أن الدم قد أصبح ماء يا جدتي ، وخرج الظفر من اللحم ، وصبر البعض على ألمه الرهيب ، ويبدو أننا أصبحنا مع الغرباء أكثر ألفة منا مع أقاربنا ، وأن الكل أصبح كبيراً ، تأخذه الكرامة والعزة بالنفس والحميّة لتصل إلى درجة تغييب العقل وتعتيم البصيرة ، وحلّت العصبية مكان الحلم في معالجة المشاكل وحل الخلافات مع أقرب الناس له . بات من الطبيعي أن لا نصل رحمنا حتى في الأعياد ، ولا نعطي حق الله لبناتنا في الميراث ، باتت بيوتنا لا تتسع لمسنّينا ونتثاقل من خدمتهم . بات حضورنا ( إن حضرنا ) مناسبات أقاربنا مجرد رفع عتب ، نراقب ما يجري لنتصيد الأخطاء والهفوات ونجعلها مادة للحديث في مجالسنا لاحقاً لمجرد الشماتة أو التسلية . أصبحنا لا نعود مرضانا ولا نشارك في فرحة  تخرج أبناء أقاربنا ونكتفي بكتابة منشور تهنئة على وسائل التواصل الاجتماعي . وباتت الاجتماعات العائلية في مختلف المناسبات هي كالهمّ عند البعض أو كالعقاب ، يحسبون الزمن بالدقائق ليمضي الوقت ويتم الإفراج عنهم .

هذا بالإضافة لمسألة ( القرضة والدين ) ، نعامل أبناء عائلاتنا بمبدأ وحدة بوحدة ، من زارني زرته ، ومن بارك لي باركت له ، ومن دعاني دعوته ،  ومن قدم لي واجب العزاء قدمت له ، لم يعد لدينا دافع للمبادرة بالمشاركة أو العطاء ، فانطفأت زهوة الأفراح ، وانتقصت كراسي الحضور في الصف الأول . علّها تعود لتمتلئ من جديد .

لو تركنا الأمور المادية ، وركزنا على فهم عمق العلاقات والروابط بيننا كأقارب ، لاستطعنا أن نترك الخلافات جانباً أو على الأقل أن نقتصد في الخصومة فلا تصل حدّ القطيعة والجفاء ، فلتبقى شعرة معاوية موجودة ، أن نبادر في المصالحة فالعفو من شيم الكرام ، أن لا نعتبر أن التغاضي عن الخطأ هو انتقاص من قيمتنا وكرامتنا ، أن لا نعطي آذاناً صاغية للمغرضين ومرضى النفوس ، أن لا نكون من يُقال فينا :

" وظلم ذوي القربى أشد مضاضة    على المرء من وقع الحسام المهند

أن نبقي الظفر في اللحم وأن يبقى الدم دماً ، فالأقارب ليسوا عقارباً ، وأخوة يوسف ليسوا مثال العلاقة بين الأخوة ، بل من كان السند لموسى وطلبه من ربه ليشدد به أزره .

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

التعليـــقات

جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء
تصميم وتطوير