مؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني تحتضر

14.08.2019 11:25 AM

وطن: نجحت منظمات المجتمع المدني الفلسطيني، ولأكثر من عقدين من الزمن، في أن تلعب دورًا رئيسيًا كقِطاع ومكون أساسي ضمن منظومة العمل الفلسطيني على المستوى الوطني والمجتمعي، وأخذ هذا القطاع دوره الكامل والذي فاق بمراحل عدة دور الحكومات والسلطة السياسية في إدارة وتوفير العديد من الخدمات الأساسية للفلسطينيين وتقديم المساعدات والدعم في شتى المجالات، فقد عايشت منظمات المجتمع المدني جميع مراحل معاناة الفلسطيني في مناطق تواجده وشتاته، بالإضافة إلى دوره في رصد وتوثيق جرائم الاحتلال الإسرائيلي التي تؤثر على جميع جوانب الحياة في الأرض المحتلة. في الوقت الذي واصل به المانحون الدوليون سعيهم لضمان أن تكون المساعدة التي يقدمونها لتلك المنظمات موجهة لتلبية احتياجات الشعب الفلسطيني بأنسب الطرق وأكثرها فعالية وكفاءة ممكنة.

بالنظر إلى خصوصية الحالة الفلسطينية، كبيئة محتلة، وما تمر به من ضياع في سيطرتها على الأرض والمياه والحدود والإيرادات والانقسام السياسي والإداري إضافة الى التخطيط العنصري لبيئة تسودها التساؤلات والشكوك، ومع استمرار الانتهاكات المنظمة لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني من قبل الاحتلال الإسرائيلي وحروبه المتكررة واعتداءاته على الكيانات والمنشآت والبنى التحتية، فقد نتج عن تلك الحالة الصعبة عجز كبير من قبل مكونات المجتمع والاقتصاد الفلسطيني لاستغلال إمكاناته على جميع الأصعدة، وفي ظل هذه الظروف، أصبحت حياة ومقومات الشعب الفلسطيني مرتبطة بشكل كبير على التمويل الخارجي وتدفقات ومساعدات الجهات الدولية المانحة.


ووفقًا للبيانات المقدمة من وزارة المالية (ورقة محدثة عن وضع التمويل، نوفمبر 2018)، فإن تمويل العمل الإنساني في الأرض الفلسطينية المحتلة وصل إلى أدنى مستوياته على الإطلاق، إذ لم تتلق خطة الاستجابة الإنسانية لعام 2018 سوى 217 مليون دولار أمريكي وهي الأقل على الإطلاق، بالرغم من الاحتياجات المتزايدة، ويكافح الشركاء في المجال الإنساني لتلبية الاحتياجات الملحة للأشخاص المتضررين من الأزمات في جميع مناطق الأرض الفلسطينية المحتلة.
تقدم الأونروا باعتبارها واحدة من أكبر المنظمات الدولية الإنسانية العاملة لأجل الفلسطينيين وأقدمها، خدمات التعليم الأساسي والخدمات الطبية الأساسية لملايين اللاجئين الفقراء في لبنان والأردن وسوريا والأراضي الفلسطينية. في العام 2018، خفضت حكومة الولايات المتحدة الأمريكية التمويل عن الأونروا ثم قطعته، النقص المتتابع في التمويل تلاه تدابير تقشف وتخفيض للتكاليف ومنع الأونروا من توسيع برامجها بالتزامن مع ازدياد أعداد اللاجئين واحتياجاتهم.
ومؤخراً أوقفت هولندا وسويسرا تمويل وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين (الأونروا)، بعد أن أبلغ قسم الأخلاقيات في الوكالة عن مزاعم فساد وسلوكيات سيئة كالاستغلال الجنسي والمحسوبية والتمييز العنصري.


لطالما كان الاتحاد الأوروبي مؤيدًا قويًا للفلسطينيين وسعيهم لتقرير المصير، فقد حقق التمويل الأوروبي نجاحات متباينًة في الحفاظ على العديد من الكيانات المجتمعية للفلسطينيين، وبناء قدرات العديد من المنظمات الفلسطينية، وكذلك ضمان الاستقرار والأمن المعيشي ومنع الانهيار المالي والاقتصادي.
في 25 أيار (مايو) 2018، نشرت وزارة الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلية تقريرًا بعنوان "مسار المال: الملايين التي قدمتها منظمات الاتحاد الأوروبي للمنظمات غير الحكومية التي لها صلات بالإرهاب والمقاطعة ضد إسرائيل"، حيث اتهم التقرير الإسرائيل الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء بمنح الملايين للمنظمات غير الحكومية التي لها "صلة بالإرهاب" والتي تعزز" المقاطعة ضد إسرائيل". وقد ردد التقرير مزاعمه وكرر اتهامه للاتحاد الأوروبي والمنظمات غير الحكومية الأوروبية والفلسطينية، فردت الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية "فيديريكا موغريني" على التقرير في خطاب شجبت فيه المزاعم بأن الاتحاد الأوروبي يدعم التحريض أو الإرهاب باعتباره "لا أساس له وغير مقبول" وكتبت أن "الاتهامات الغامضة وغير المثبتة لا تخدم إلا المساهمة في حملات التضليل".
وفي أكتوبر 2018، صوتت لجنة ميزانية البرلمان الأوروبي لتجميد 15 مليون يورو كمساعدات للسلطة الفلسطينية بسبب التحريض على معاداة السامية في الكتب المدرسية، حيث قالت اللجنة بأنها "تحتوي في جميع المواضيع على صور عنيفة وخطاب يحرض على الكراهية -خاصة ضد إسرائيل- وتمجيد للجهاد والاستشهاد"، مع الإشارة إلى أن الكتب المدرسية للفلسطينيين مولها الاتحاد الأوروبي لعام 2017.


ويندرج تحت هذه السياسة الدولية في التقليصات كذلك إعلان برنامج الأغذية العالمي خفض المساعدات الغذائية لنحو 190 ألف فلسطيني بسبب نقص التمويل، في يناير 2019.
التعاطي الجديد والشديد ضد اتهامات الفساد وادعاءات السلوكيات غير الأخلاقية لا تعالج غالباً بوقف ومنع التمويل عن المنظمات الدولية، خاصة وأن تلك الاتهامات قد ظهرت وواكبت ظروف سياسية مشبوهة على المستوى الدولي، في وقت يستهدف به الفلسطيني وقضيته، هذه الاتهامات الموجهة للمنظمات غير الحكومية المستفيدة من تمويل الاتحاد الأوروبي تمتثل بطبيعة الحال لقواعد الشفافية والمساءلة الصارمة من الاتحاد الأوروبي للحيلولة دون وصول هذه المساعدات والتمويل لدعم الإرهاب أو لغرض الاحتيال. التدقيقات المالية التي يجري العمل بها تكون إجبارية من قبل شركات محاسبة مستقلة يتم اختيارها والدفع لها من قبل الاتحاد الأوروبي، وتقوم بدورها بالتدقيق والتصديق على جميع النفقات المتعلقة بالمشاريع الممولة، وتفترض أن يتم التبليغ من طرفهم عن أي انتهاكات مشتبه بها لقوانين الاتحاد الأوروبي لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
وفي الآونة الأخيرة، تحولت المناقشات الجدية في المجتمع الدولي من كونها تدور عما إذا كانت المساعدات الدولية للفلسطينيين - كواحدة من أعلى مصروفات المساعدات للفرد في العالم - قد تمت إدارتها بشكل فعال، إلى التساؤل حول تسبب المساعدات بالضرر ومساهمتها في عدم تحقيق حل لدائم وشامل. الحديث هنا عن تحول الحرب ضد إسرائيل بمعناه "محاولات تدمير إسرائيل من خلال القوة العسكرية والهجمات الإرهابية" إلى مفهوم الحرب السياسية "للقوة الناعمة" التي تستهدف إسرائيل من خلال "الوسائل غير العنيفة".


بالتزامن مع ذلك، نشرت وسائل الإعلام في إسرائيل مقالات عدة تدور حول استخدام منهجين رئيسيين لإلحاق الضرر بالسمعة المهنية ونزاهة منظمات المجتمع المدني الفلسطينية، أولاً: شيطنة المنظمات غير الحكومية التي تدعم حركة المقاطعة الدولية التي يقودها الفلسطينيون والتي تمارس ضغوطًا على إسرائيل لإنهاء انتهاكاتها لحقوق الإنسان والقانون الدولي، حيث تقوم وسائل الإعلام في إسرائيل بالضغط على الحكومات والبرلمانات الأوروبية لقطع التمويل بشكل نهائي عن المنظمات غير الحكومية الفلسطينية التي تدعم حركة المقاطعة، في ظل أيضاً استهدافها للمنظمات غير الحكومية بتهمة "الانتماء للإرهاب" لأنها فقط تدعو إلى اتخاذ تدابير ضد المستوطنات الإسرائيلية غير الشرعية وضد الاحتلال.


ثانياً: تركز وسائل الإعلام الإسرائيلية على تشويه سمعة المنظمات غير الحكومية الفلسطينية عبر ربطها بالجماعات المسلحة، من خلال الادعاءات أن لها صلات مزعومة بالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بالتحديد، والتي أدرجتها إسرائيل والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي كمنظمة إرهابية. تقول وسائل الإعلام في إسرائيل إنها كشفت العلاقات بين المنظمات غير الحكومية الفلسطينية والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. ومع ذلك، لم تقدم أي دليل على أن المنظمات المتهمة قد شاركت في أي أنشطة إرهابية أو عنف، كما أنها لم توضح كيف يرتبط عمل المنظمات -البحث الميداني، والتوثيق، والعمل القانوني، والادعاء الدولي- بأي شكل من الأشكال بالإرهاب.
كما تستهدف هذه الخطة منظمات المجتمع المدني بشكل مباشر، بطريقة أو بأخرى لتوجيه الرأي العام ضدها عن طريق "التسمية والتشهير" مما عرّض منظمات ونشطاء المجتمع المدني للهجوم والمنع من الحركة والسفر.


وفي تقرير مراقب المنظمات غير الحكومية في فبراير/شباط 2019، ذكر التقرير أن رئيس الوزراء الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو" ناقش مع رئيسة وزراء المملكة المتحدة "تيريزا ماي" التمويل البريطاني للمنظمات غير الحكومية المتطرفة والنشطة في الصراع، ودعا رئيس الوزراء الإسرائيلي أيضاً وزير الخارجية الدنماركي إلى قطع التمويل عن الجماعات الفلسطينية المشاركة في حملات المقاطعة ضد إسرائيل، ووفقاً لصحيفة هآرتس اليومية الإسرائيلية، قدم نتنياهو إلى وزير الخارجية قائمة بالمنظمات الفلسطينية والإسرائيلية التي تتلقى تمويلا دنماركياً حيث تدعي إسرائيل بأنها متورطة في جهود مقاطعة اسرائيل.
وقد عبرت المنصة الدولية لمنظمات المجتمع المدني الفلسطيني، عن ذلك بالقول: أنه في خضم حملة التشويه الشرسة هذه وعدم كفاية التمويل، تباينت استجابات منظمات المجتمع المدني في فلسطين بين التكيف أو المقاومة أو إقفال أبوابها، حيث تلاشت بعض منظمات المجتمع المدني نتيجة لزيادة الضغط وللأسف، قررت وقف أنشطتها، في حين اختار آخرون إيجاد مزيج متوازن من التكيف والمقاومة.


وأشارت المنصة الدولية في تقريرها، إلى أنّ هذا التقليص في التمويل أدى إلى وقف أو إضعاف المشاريع والبرامج في منظمات المجتمع المدني التي تقدم خدماتها لملايين الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، في مجالات الصحة، والتعليم، وتحسين سبل العيش ومعالجة البطالة ومشاريع البنية التحتية، وهو أيضاً ما تسبب بتسريح عشرات الموظفين العاملين في تلك المنظمات.


وقد ختمت المنصة الدولية تقريرها عن السياسات التي تدفع بالجهات المانحة الدولية لوقف وتقليص تمويلها الموجه لمنظمات المجتمع المدني الفلسطيني، وحالة التدهور الحاصلة في عمل تلك المنظمات وفعاليتها، والتي جاءت في ظل ما وصف به تقرير للبنك الدولي بأن الاقتصاد الفلسطيني يمر بمرحلة "السقوط الحر" في إشارة إلى أن الفقر والبطالة وانعدام الأمن الغذائي في ازدياد مستمر. وقد أشارت المنصة الدولية في نهاية تقريرها، بأن مستويات البطالة في قطاع غزة قد تخطت حاجز 54% في الربع الثاني من عام 2018، بينهم أكثر من 70% من الشباب و78% من النساء عاطلين وعاطلات عن العمل، وقد ارتفعت مستويات الفقر إلى 53% وانعدام الأمن الغذائي إلى 68%. كما أن القوة الشرائية المنخفضة والتدهور الاقتصادي وما ينجم عنه، كلها مؤشرات خطيرة تنذر بكارثة إنسانية وشيكة.

 

(المنصة الدولية لمنظمات المجتمع المدني العاملة لأجل فلسطين)

التعليـــقات

جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء
تصميم وتطوير