مشهور حديثه الجازي في يوم النصر الكبير !

12.11.2019 06:49 PM

كتب: حسن مليحات (الكعابنة)*

تصادف بتاريخ 6/تشرين الثاني 2019، الذكرى الثامنة عشرة لوفاة المغفور له بإذن الله الفريق الركن مشهور حديثه الجازي، قائد معركة الكرامة الخالدة وصانع النصر الكبير والتي سطر فيها الجيش العربي الاردني اسمى واروع صور الفداء والتضحية.

وشهيدنا الكبير مشهور حديثه الجازي، هو من قبيلة الحويطات التي تسكن في جنوب المملكة الاردنية الهاشمية، وهو من مواليد عام1928 والتحق بقوات البادية بتاريخ 28/6/1943 وكان يحمل الرقم العسكري(505) والتحق بكتيبة المشاة الثانية بتاريخ 22/3/1956 وتولى قيادة كتيبة المدرعات الملكية الثانية وهو أول قائد عربي لها.

وفي العام 1962 اصبح اول قائد للواء المدرع 40 وهو من قام بتشكليه  وتولى قيادة الجبهة الشرقية عام 1965، وبعد نكسة حزيران 1967 تولى قيادة الفرقة الأولى التي كان لها شرف مواجهة العدو الصهيوني في معركة الكرامة ورده على اعقابه، حيث كتب له ولرفاقه في الجيش الاردني النصر الكبير في يوم من ايام العرب الخالدة .

في البدء، لا بد من القول بأنني اشعر برعشة كبيرة تدب في جسمي  وفكري وواجدني واستجمع قوى روحي المعبثرة عندما أتحدث عن قامة عظيمة بحجم الشهيد مشهور حديثة الجازي ، كما أنني استعطف اللغة العربية بكل مفرداتها لتسعفني عندما استذكر عظمة الشهيد الجازي واستجمع مفرداتي من العربية واحشدها في داخلي كي تسمو الكلمات وترتقي لتليق بمقام انتصارات مشهور حديثه الجازي سيد الثبات واليقين وأبث له وهو يرقد مستريحا في قبره احزان وطن مقدس مسلوب وانحني له اجلالا واكبارا واحتراما وتقديرا.

ونتذكر صفحات بيضاء سطرها الشهيد ورفاقه في معركة الكرامة فبقيت تلك الصفحة مشرقة ومضيئة في حياة كل العرب والاحرار في العالم، انه رجل مسكون بجينات الشهامة وتعلم المبادىء العسكرية وعمل بها والتزم بأصولها فحقق النصر في الوقت الذي تراجعت فيه الاحوال وانتقل البعض الى الارتماء في الحضن الاسرائيلي،لقد كانت للكرامة في روح الفقيد وقع كبير كيف لا وهو الذي وقف متقدما جنده في خنادق الشرف والعزة وقاتل جنبا الى جنب مع ثور فلسطين ليستردو بعضا من الاعتبار المهدور للامة وسجلوا بدمائهم الطهورة اول ملحمة صمود واول انتصار عسكري على عدو شاع انه لا يقهر.

وفي سياق الحديث عن الشهيد القائد مشهور حديثه الجازي نستذكر  تاريخ 21/اذار/1968 وهو تاريخ معركة الكرامة، حين حاولت اسرائيل احتلال الضفة الشرقية لنهر الاردن لاسباب تعتبرها استراتيجية، وعبرت هذه القوات النهر فعلا من عدة محاور مع عمليات تجسير وتحت غطاء جوي كثيف وتصدت لها قوات الجيش العربي الاردني وخاصة الفرقة الاولى على طول جبهة القتال من اقصى شمال الاردن الى جنوب البحر الميت بقوة وثبات ويقين.

وفي قرية الكرامة، قاد الراحل العظيم الجازي والمغفور له الملك حسين معركة الكرامة، فقد اصدر الراحل الكبير تعليماته واومره للضباط بأن يكونوا في الصف الأول،خلافا للعادة في المعارك حيث يتقدم الجنود في الصف الأول ويبقى الضباط بعيدا حماية لأنفسهم من القتل.

ويروى ان الضابط كاسب الجازي، وهو ابن عم الراحل الكبير مشهور الجازي كان قد اتصل به هاتفيا اثناء المعركة ولاحظ انخفاض صوته وانه يتحدث بهمس، فسأله عن مكان تواجده، فاخبره بانه في الخندق الأمامي وهو على النهر مباشرة، وهذا يدل على صمود القائد مع ان رتبته تمنحه فرصة الابتعاد عن ارض المعركة وادارتها عن بعد دون اهتمام بالنتائج، لكن معاني الشرف والعزة رفضت الا ان يكون بطلنا الكبير في مقدمة جنوده، يا لها من مدرسة عسكرية نموذجية !! انها مدرسة الراحل مشهور حديثه الجازي وكيفية صناعة الانتصارات ، انها افضل من كل المدراس الحربية المصنفة عالميا ، مدرسة الراحل الكبير هي مدرسة عسكرية لا مثيل لها ، يا له من معلم كبير يعلم الاجيال كيف تكون الكرامة والعزة والشهامة! 

تلقى الراحل الكبير نبأ دخول القوات الاسرائيلية شرق النهر في تمام الساعة 5:30 صباحا فكان اول ما قام به ان صلى صلاة الفجر متوجها الى الله بالدعاء بالنصر، وكان هدف اسرائيل احتلال مرتفعات السلط لتكون حزاما امنيا لها والقضاء على العمل الفدائي الذي كان ينشط على طول الجبهة الاردنية ،وعند سماعه خبر الهجوم اصدر اوامره وكأنه كان ينتظر المعركة ،فأمر بحشد القوات والتنسيق الكامل مع الفدائيين الفلسطينين ومع سكان منطقة المعركة الذي صنع منهم مقاتليين بعد ان وزع عليهم الأسلحة المضادة للدروع ،واعطى شارة البدء لصد العدوان ،وامر بفتح النار المدمرة على حشود العدو مباشرة فحقق عنصر المفاجأة بالنار على القوات الاسرائيلية.

لقد استطاعت القوات الاردنية وخاصة سلاح المدفعية حرمان اسرائيل من حربة العبور حسب المخطط الاسرائيلي  وخيب امال موشيه ديان وزير الدفاع الاسرائيلي الذي دعا الصحفيين يومها الى تناول طعام الغداء في جبال السلط ،واسقط حسابات اسرائيل الخاطئة وعندما شعرت اسرائيل بالهزيمة لجأت الى طلب وقف اطلاق النار في الساعة الحادية عشرة والنصف من يوم المعركة ،وهذا دليل كبير على ان القوات التي واجهتم في المواقع الدفاعية من الجيش العربي كانت بحجم التحدي وكان المعركة بالنسبة لهم معركة وجود ، وعلى الصعيد السياسي اصر المغفور له الملك حسين طيب الله ثراه على عدم وقف اطلاق النار طالما هناك جنديا اسرائيليا واحدا شرقي النهر ،وعدم قبول الملك قرار وقف اطلاق النار الذي طلبه الاسرائيليون بعد 6 ساعات من بدء المعركة دليل على امتلاك ناصية الامر والسيطرة في المعركة والتحكم بمجرياتها.

في خضم هذه المشهد الدراماتيكي  وعند انتهاء احداث المعركة كان العدو قد فشل تماما في عملياته العسكرية دون ان يحقق ايا من الاهداف التي شرع بهذه العمليات من اجلها وعلى جميع المحاور ، وعاد يجر اذيال الهزيمة والفشل فتحطمت اهدافه على صخرة الصمود الاردني الفلسطيني وفي كلمة لجلالة الملك حسين طيب الله ثراه قال ((اذا كان لى ان اشير الى شيء من الدروس المستفادة من هذه المعركة يا اخوتي ، فان الصلف والغرور يؤديان الى الهزيمة))وقال الملك ((لسنا تجار حروب ولا نحن اناس نقرع اسنتنا هنا وهناك لنتمتع بالعاب الحروب)).

لقد كسر الراحل الكبير نظرية الجيش الذي لا يقهر ونقولها للتاريخ بان اول عربي يقهر الجيش الاسرائيلي وهو شهيدنا الكبير مشهور حديثه الجازي ،واثبت بان الجيش الاسرائيلي يمكن هزيمته اذا توفرت الارادة  رغم ان المعدات وعدد القوات لم تكن متكافئة اثناء معركة الكرامة بين الاردن واسرائيل ، واجبر اسرائيل على الانسحاب تحت اطلاق النار.

ازاء تلك الاحداث والمعطيات نخلص الى القول بان صمود الجيش الاردني مع الفدائيين الفلسطينين في معركة الكرامة كان بمثابة نقلة نوعية في تنامي روح المعنوية والقدرة القتالية ،واختلطت الدماء الاردنية بالدماء الفلسطينية على مذبح مدينة القدس والمسجد الاقصى، لقد كانت الكرامة يوما اكحلا ومحجلا في تاريخ العسكرية العربية بقيادة الراحل الكبير الجازي واثبتت قدرة الجندي الاردني على الصبر عندما شاهد قائده وهو يحتل الخنادق الاولى من اجل وطنه وامته، وقد اكد جلالة الملك عبد الله مرارا على هذه المناسبة بقوله بان تضحيات جيشنا العربي ومعاركه قد اعادت للامة كرامتها وهي اوسمة فخر واعتزاز، كيف لا ؟! وقد صلى الملك عبد الله يوم الاثنين صلاة النصر في اراضي الباقورة والغمر وقال بان سيادة الاردن وارضه فوق كل اعتبار.

فنم قرير العين شهيدنا يا سيد الرشاش والمدفع فهناك اجيال في الاردن وفي فلسطين تسير على نهجك، وقد اطلق اسمك على مدارس في قرى القدس وانت تحتل مكانة مرموقة في الوجدان الفلسطيني والاردني ومرزوع في الذاكرة العربية ومتجذر في ضمائرنا  ،ويعزينا بغياب روحك الطاهرة هو حضورك الدائم في قلوبنا وكذلك ابناء لك يسيرون على نهجك ويقتدون بك يا سيد الانتصار يا رجل المعامع والمواقع ، هنيئا لروحك الطاهرة وانت ترقد مستريح ومطمئا تنتظر ملاقاة ربك وقد اديت ما عليك من امانة .                 .                                                                                                                                              
 *كاتب وباحث أستراتيجي                        
ايميل [email protected]

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

التعليـــقات

جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء
تصميم وتطوير