أسماء سلامة تكتب لوطن: حارة كل من إيده إله

03.12.2019 11:47 AM

كان اسم هذه الحارة في مسلسل المبدع دريد لحام " صح النوم " مدعاة للضحك ، ضرباً من الكوميديا الساخرة التي عرفها جيلنا عن غوار الطوشة ، ولكنها في واقعنا الحالي باتت واقعاً يعاش يومياً في العديد من جوانب الحياة ، يلجأ الكثيرون إلى أخذ " حقهم بأيديهم " إن كان لهم حق طبعاً ، وإلا بات الأمر اعتداء وبلطجة ...

سمعنا ويبدو أننا سنسمع مستقبلاً أيضاً عن الاعتداءات التي يقوم بها البعض على أطباء ومحامين ومعلمين في المدارس ، يستخدمون فيها العنف بكل أشكاله ( السب والشتم ، والضرب بالأيدي والأدوات الحادة ) وتفاقم الأمر مؤخراً ليصل لحد استخدام الأسلحة النارية ، وإطلاق الرصاص في داخل إحدى المدارس في محافظة جنين ، ناهيك عن حالات العراك التي تحصل في الخلافات بين العائلات وفي الشوارع لمختلف الأسباب .

فما الحال الذي وصلنا إليه ، لنعتبر أماكن علاج المرضى والأماكن العامة والمدارس أماكن لتصفية الحسابات ، وكأنها شوارع للجريمة ...
نعرف جيداً مدى الضغوطات التي يتعرض لها شعبنا في كافة النواحي وعلى كافة الأصعدة ( سياسية واجتماعية واقتصادية ) ، ولكن مهما بلغ بنا الحد لا يعقل أن يغيب وعينا لدرجة استخدام العنف الذي يصل لحد الجريمة في حل مشاكلنا ، وكأنه المتنفس الوحيد أمامنا لتفريغ احتقاننا من كل ما نعانيه من مشاكل .

كانت النساء ومن يتعاطف معهن من جمعيات أهلية ونشطاء يطالبون بإقرار قانون حماية الأسرة ، والآن نسمع المعلمين يطالبون بإقرار قانون حماية المعلم ، ولربما غداً قانون حماية الطبيب ، والمحامي ، والصيدلاني و.. , و...
ما الداعي لتفصيل القوانين الحامية لكل فئة من فئات المجتمع ، إذا كان هناك مساواة أمام القانون ، فإن الأجدى بنا أن نفعّل قانون حماية المواطن ، كل مواطن أينما وجد ومهما كانت مهنته وجنسه .

المسألة ليست بتخصيص القوانين ، وإنما بفعاليتها على أرض الواقع ، ومدى ثقة الناس بها ، وبنجاعتها في الحد من العنف بكل أنواعه ، وإنصاف المظلوم ، وإعطاء الحقوق لأصحابها ، والمساواة في النظرة للمختصمين بغض النظر عن انتماءاتهم وعائلاتهم ومناصبهم .

إن عدم تطبيق القوانين بطريقة صحيحة ووجود الخروقات لها ، مهما كان عدد هذه القوانين ، حتى لو تم إقرار قانون لكل " حارة " فإن المشكلة ستبقى قائمة ، وسيلجأ من يجد نفسه مظلوماً ، أو فاقداً للثقة فيها إلى أخذ حقه بيده ، وسيبقى العنف وسيلة لفرض الرأي ومحاسبة من نراه مذنباً وبعيداً عن العقاب ...
وبالنظر بالقليل من الموضوعية لموضوع العنف ا لمنتشر مؤخراً في أماكن العمل ( مستشفيات ، مدارس ) تحديداً ، لا يجب إلقاء اللوم هكذا جزافاً على أي طرف من الأطراف ، ولا الحكم بالمطلق على كل الحوادث بذات المنظور ، فكل حادثة لها خصوصيتها ، وإن اجتمعت في النهاية بمجملها تحت " العنف " ...

لا ينبغي لنا الحكم بالإجرام على المواطن الذي اعتدى على موظف في مستشفى ، أو ولي أمر اعتدى على معلم ، دون النظر إلى البيئة العامة في المستشفيات والمدارس ، لا أبرر للعنف مطلقاً ولكني أحاول إلقاء بعض الضوء على بعض الجوانب .

فهناك عنف متبادل ، بعض الموظفين في المستشفيات للأسف يمارسون العنف اللفظي على المرضى والزائرين ، الأمر الذي ساهم بشكل كبير في تشكل صورة مشوهة عما يجب أن يكون عليه العاملون في مثل هذه الأماكن ، خاصة وأنهم يتعاملون مع فئة هي في أمس الحاجة للمعاملة الرحيمة والكلمة الطيبة ، لأنهم يعانون ألماً وقد لا يكون لهم من أمل في شفاء قريب ، فلا أقل من معاملة تخفف عنهم . كما هو حال بعض أقرباء المرضى وبعض المراجعين الذين يريدون فرض شخصياتهم واستغلال ربما صلة القرابة بهذا الموظف أو ذاك لاجتياز قضية الدور ، أو الحصول على اهتمام أكبر ، أو حتى التمادي في الحصول على علاج غير ضروري ، يعتبرها البعض " شطارة" أو من باب ( البلد هيك ماشية ) ..

كذلك الحال في المدارس ، التي يلجأ بعض المعلمون فيها إلى تفريغ غضبهم من ضغوطات الحياة في الطلبة وأولياء أمورهم ، ونقل مشاكلهم الخاصة إلى البيئة الصفية ، وتحميل جزء من مسؤولية عدم رضاهم عن الأوضاع العامة للمعلمين ( رواتب ، اقتطاعات ، متطلبات مهنية جديدة ) للطلبة ، فيغيب عن بالهم أن بعض هؤلاء الطلبة هم  أبناء زملاء لهم  يعيشون نفس ظروفهم ، فكلهم في الهم واحد . ومن جانب آخر بعض أولياء الأمور الذين يتعالون في التعامل مع المعلمين وكأنهم من فئة أقل ( على أساس أن المستوى الاقتصادي هو أساس التعامل ) ، وينقلون هذه النظرة المتعالية لأبنائهم ، فيكون تعامل الطالب مع أستاذه كالند أو بفوقية أكبر ، فيغيب الاحترام والتقدير ، وينعدم مبدأ تقبل الانصياع لأمر المعلم أو توجيهاته .  وإن كنت أرفض بالمطلق اللجوء للعنف كوسيلة لحل أي خلاف  .. إلا أن البحث في الأسباب والدوافع قد يسهم في فهم المشكلة وطريقة علاجها . لا أحد بعيد عن المسؤولية فيما وصلنا إليه ، كلنا مطالبون بإيجاد الحل والمساهمة في التغيير .

حلقة العنف المتبادل التي تعم مجتمعنا حالياً ، هي أمر في غاية الخطورة ، لأنها تعمل إلى توجيه الغضب الداخلي في اتجاه خاطئ ، فبدل أن يتم التوجه إلى الطرق التي نطالب فيها بتحسين هذه الأوضاع ، فإننا نتوجه بها ضد بعضنا البعض ، مقنعين أنفسنا بأننا الأقدر على أخذ حقنا ، وبأن على الآخرين تحملنا وتفهم معاناتنا دون أن نتفهم نحن أيضاً ظروف الآخرين ، كل شخص يقنع نفسه بأنه على حق وأنه المظلوم ، وأنه المسحوق في المجتمع وعلى الجميع الوقوف إلى جانبه .

ليس كافة المعلمين سيؤون ولا جميع أولياء الأمور غير منضبطين ، ليس كل الممرضين والعاملين في المستشفيات قساة القلوب ، ولا كافة المرضى متجبرون ، ولكن الأمر الواضح أن لا قانون يحمي الجميع ويثق به الجميع ، المواطن يحس بأن القانون لا ينصفه ، والموظف أيضاً يحس بأن القانون لا يحميه ، والكل في حالة عدم رضا عن القوانين ، القوانين بحد ذاتها " نصاً " عادلة وكفيلة بإعطاء كل ذي حق حقه ، ولكن الخلل يكمن في طريقة التطبيق ، الطريقة التي لا تضمن المساواة الحقيقية للمواطنين أمام القانون .

والنتيجة للأسف كما نرى ونسمع ... حالة فلتان خطيرة تنتشر بشكل كبير في المجتمع ، طلاب ومعلمين وأطباء ومحامون وموظفون ، بات كل مواطن قنبلة موقوتة تسير على الأرض قد تنفجر في وجه أي عائق يعترض طريقها ، وقد لا تحمد العقبى.

ومهما تكن الأوضاع والدوافع لممارسي العنف ، لا بد أن يبقى للمدارس حرمتها وللمعلمين مكانتهم ، ولكافة العاملين والمواطنين أينما كانوا كرامة لابد أن تصان من قبل المجتمع قبل القانون .

التعليـــقات

جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء
تصميم وتطوير